صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 49

الموضوع: كل يوم قصة من قصص الأنبياء

  1. #21
    مساءكم نرجس والعود والياسمين

    اعتذر على هذا الانقطاع الطويل

    أستأذنكم أن أكمل معكم قصص الانبياء **

    لكم مني أسعد التحية ,

    •   Alt 

       

  2. #22






    من أعظم القصص التي ذكرها الله سبحانه وتعالى والتي بها عبرة رائعة نقتدي بها ونطبقها في حياتنا ، هي قصة النبي ”


    " أيوب عليه السلام


    فمدى صبره على ما ابتلاه الله رب العالمين من بلاء حكمة منه سبحانه وتعالى لتكون لنا عبرة و موعظة حسنة

    نقتدي بها في حياتنا، حيث امتحنه في بدنه وأهله وماله إلا أنّه صبر في ذلك كله صبراً جميلاً،

    فأكرمه الله بذلك العافية والأهل والمال وأثنى عليه ثناءً كبيراً.

    ضربت الأمثال في صبر هذا النبي العظيم.

    فكلما ابتلي إنسانا ابتلاء عظيما أوصوه بأن يصبر كصبر أيوب عليه السلام..

    وقد أثنى الله تبارك وتعالى على عبده أيوب في محكم كتابه (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)

    والأوبة هي العودة إلى الله تعالى..

    وقد كان أيوب دائم العودة إلى الله بالذكر والشكر والصبر.

    وكان صبره سبب نجاته وسر ثناء الله عليه.



    حيث قال سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء ” وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ” صدق الله العظيم …

    فلنتعرف على قصة سيدنا أيوب عليه السلام كما فسرها كبار علماء الدين مثلما وردت في القرآن الكريم .


    نبذة عن نسبه :


    هو من سلالة سيدنا إبراهيم وكان من النبيين الموحى إليهم، يعود نسب سيدنا أيوب عليه السلام إلى سيدنا إسحاق بن إبراهيم عليه السلام ، وذلك كما ورد في قوله تعالى ” وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿84﴾ ” سورة الأنعام




    القصة :

    كان سيدنا أيوب عليه السلام رجلا كثير المال أي يمتلك أموالا هائلة

    حيث كان يمتلك العديد من المواشي والأنعام والعبيد والأراضي الواسعة ،

    وكما ورد في كتاب قصص الأنبياء لابن كثير فقد كانت أرض الثنية من أرض حوران في بلاد الشام ملكا له،

    كما كان لديه الكثير من الأبناء والأقارب .

    وكان له زوجة جميلة ذات خلقة حسنة وشعر طويل كانت تجعله ضفيرتين جميلتين يضرب بهما الأمثال .

    وقد اختلف العلماء في اسم زوجة سيدنا أيوب فمنهم من يقول ان اسمها «ليا بنت يعقوب»
    وقيل إنها " رحمة بنت أفراييم " وهذا الاسم هو الأكثر شيوعاً.

    وكانت زوجته رفيعة القدر عالية المكانة يخدمها العبيد والخدم،

    وكان لهم ثلاثة عشر ولداً.

    ورغم شدة ثرائهم ووفرة نعمة الله عليهم لم يساورهم الكبر أبدا ولا الغرور بل كان شكرهم يزيد كلما تزايد نعم الله عليهم .

    ولكن الحياة لم تدم هكذا وبدأت الاختبارات تتوالى

    وبدأ أبناء سيدنا أيوب عليه السلام يموتون واحداً تلو الآخر

    فماتوا جميعاً وهم بذلك أكثر من مات لهم من الأولاد

    وبدأت ثروتهم تتناقص حتى تلاشت

    وبدأت المواشي والدواب تنفق هي الأخرى وتموت

    وأصبحت الأرض الواسعة بورا

    فلم يعد هناك لا مال ولا طعام يكفيهم

    وابتعد الأهل والأصدقاء عنهم

    ولم يتوقف الأمر عند ذلك

    بل بدأت علامات المرض الشديد تظهر على سيدنا أيوب تسوء حالته حتى أقعده المرض ونال من كل أعضائه فلم يعد لديه سوى عضوين سليمين هما قلبه ولسانه أما سائر الأعضاء فأصيبت وتهتكت.

    ويرجح المفسرون أنه أصيب بمرض جلدي نادر أقرب ما يكون إلى مرض الجدري الآن.
    ومع قلة الدواء واشتداد الفقر ازداد المرض سوءا وشدة،


    (( تخيل اخي المسلم هنا

    تخيل ذهاب العز الذي كنت عليه

    تخيل موت واحد من أبناءك فما بالك لو ان جميعهم ماتو

    تخيل ان تصاب بمرض يجعلك عاجزا تماما ولا تقوى على شئ

    لسنوات وانت على فراش المرض

    تخيل إبتعاد الناس و الاهل عنك وان تدوم وحيدا

    يا لها من مصائب عظام

    وما أعظمه من صبر الذي صبره هذا النبي الكريم وزوجته ))
    ********


    فما هو موقف الزوجة هل حنقت وغضبت وتركته وفرت هاربة بشبابها وجمالها وتركت زوجها لمرضه! ؟


    وإن كان الأمر كذلك لما خلد ذكراها وضرب بها المثل في الصبر على الزوج ومرضه

    وعلى الفقر وشدته وعلى الذل بعد العزة،

    بل إنها فكرت ماذا تفعل هل تجوع هي وزوجها فلم يعد أحد يعطي لهما مالا ولا طعاما

    فوجدت أنه من غير المعقول أن يستمر الحال على ما هو عليه

    فقررت أن تعمل خادمة كي تجد المال الذي تطعم به زوجها ونفسها

    وهي السيدة المصانة التي كانت تخدم من أكثر من مئة خادمة

    ولكنها اختبارات الحياة فكانت السيدة رحمة تعمل يوما طويلا شاقا

    وفي نهايته تأخذ مالا قليلا لا يكاد يكفي لشراء وجبة طعام واحدة تقسمها مع زوجها

    فيأكلان معا ويحمدان الله على ما رزقهما رغم قلته.

    ثم كانت بعد ذلك تعتني بزوجها وتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته

    ثم تفرش له فرشته التي لم تكن إلا رمادا أو رملا حتى ينام عليه

    وتنام هي أيضا حتى تستقبل يوماً شاقاً جديداً.

    الشيطان يتخفى في صورة طبيب

    وفي أحد الأيام الشاقة وبعد أن أنهت السيدة رحمة عملها في أحد البيوت واشترت الطعام وعادت في طريقها إلى زوجها المريض تعرض لها شخص ما، بدا وكأنه طبيب فقال لها إنني طبيب مستعد أن أشفي زوجك على أن يقول انني شفيته ولا أحد سواي فجاءت السيدة رحمة إلى زوجها أيوب وأخبرته بما حدث لها، فعرف سيدنا أيوب أنه الشيطان جاء متخفيا في صورة طبيب يريد أن ينسب فضل الشفاء لنفسه ولا شفاء إلا من عند الله فعلم سيدنا أيوب ذلك فغضب ورفض ذلك رفضاً شديدا .

    اشتد المرض على سيدنا أيوب وسرت شائعة أن مرضه مرضا معديا لذلك اتفق أهل البلدة أن يخرجوه خارجها ويضعوه في مكان مهين.

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من اخوته كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال صاحبه وما ذاك قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به». وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له ووصل بهم الأمر إلا أنهم حدثوه بذلك فجزع سيدنا أيوب كثيرا فاشتد همه ومرضه.



    زوجة سيدنا أيوب تبيع ضفائرها:

    تفاقمت الحالة بالسيدة رحمة وانتشرت شائعة عدوى مرض زوجها وخشيت البيوت على نفسها من المرض فرفضت أن توظفها وأغلقت الأبواب أمامها وكانت ضفائر السيدة رحمة ذات صيت كبير في بيت الأغنياء ومعروفة لديهم بأنها الجميلة ذات الشعر الطويل فلما ضاقت الأحوال في وجهها لم تجد سبيلا إلى أن تبيع إحدى ضفائرها لسيدة من السيدات الأغنياء التي طالما ألحت عليها في ذلك.
    وقبضت زوجة أيوب ثمن بيع إحدى ضفائرها وجاءت بطعام طيب كثير إلى زوجها فتعجب أيوب من ذلك وسألها من أين لك بهذا الطعام الغالي الثمن فلم تخبره .
    ولكنها طلبت منه أن يدعو ربه ,
    فأجابها أيوب : بأنه يستحي من الله سبحانه وتعالى الذي أحياه سبعين عاما بلا داء ولا مرض .
    فقال لها : الحمد لله الذي جعل لي لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا .
    وجاء اليوم التالي ففعلت مثلما فعلت اليوم الذي قبله فباعت ضفيرتها الثانية، باعت شعرها وتاج جمالها من أجل أن تطعم الزوج والحبيب..

    يا لها من لحظات عصيبة مرت بتلك السيدة العظيمة التي لم يستطع اليأس أن يتسرب إلى نفسها ولا القنوط أن يدق بابها بل ظلت مؤمنة صابرة محتسبة وقدمت كل ما تملك حتى ضفائرها،
    ولم تعرف السيدة رحمة ما سوف تفعله غدا أو كيف سيؤول الحال بها فلا عمل يطلبها ولا شعر لديها تبيعه ويا عجب ما شعرت به أنها شعرت براحة غريبة ورضا عن نفسها وما صنعته من أجل زوجها ولعل غدا يأتيها الله بالفرج القريب.
    وعندما أتت السيدة رحمة إلى زوجها بطعام طيب كاليوم السابق أعاد نبي الله سؤاله عليها مرة أخرى مستفسرا عن مصدر المال واستنكر الطعام وحلف ألا يأكله حتى تخبره من أين لها بهذا الطعام فأبت السيدة رحمة أن تتكلم ولكنها كشفت عن غطاء رأسها
    فنظر سيدنا أيوب إلى رأسها ويا هول ما رأى!
    رأى شعر زوجته وزينة رأسها وقد حلق واختفى!
    فتأثر سيدنا أيوب أيما تأثر وهنا،
    هــــــــــــــنـــــــا فـــــــــــقـــــــــــــــط ,,,,دعا سيدنا أيوب ربه ,,,
    وكم يدل لنا هذا الموقف على حب نبي الله أيوب لزوجته
    فهو لم يدع لنفسه ولكن دعا عندما رأى أن مرضه قد أثر عليها إلى هذا الحد.
    فعندما كشفت عن خمارها، و رأى رأسها محلوقاً، قال في دعائه:
    ((رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)).

    وحلف أن يضربها مئة سوط إذا شفى.

    و تضرع إلى ربه سبحانه وتعالى ودعا ربه كما ورد في سورة الأنبياء

    ” وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ”
    وفي سورة ص

    ” وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ” صدق الله العظيم .

    أما ما كان من أمر صاحبي أيوب، فقد كانا يغدوان إليه ويروحان, فقال أحدهما للآخر: لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما وإلا لكشف عنه هذا البلاء, فذكره الآخر لأيوب, فحزن ودعا الله.

    عندما لجأ النبي أيوب عليه السلام إلى الله سبحانه وتعالى وتضرع له طالبا منه الرحمة ، استجاب سبحانه وتعالى إلى عبده .

    وأمره بأن يقف من مكانه ويضرب الأرض برجله ،
    فظهر له منبع عين , فأمره سبحانه وتعالى بالاغتسال من المياه النابعة من العين ،

    وعندما نفذ أمر الله تعالى خرج من بدنه جميع الأذى والأذى الذي كان يلم به طيلة تلك السنوات ،

    ثم أمره سبحانه وتعالى مرة أخرى أن يضرب الأرض ثانية في مكان آخر ، ففعل نبينا أيوب وأخرج من مكان الضربة نبعا بعين أخرى ،

    فأمره سبحانه وتعالى أن يشرب من مياهها ،

    فخرج من باطنه كل الألم الذي كان يشعر به ،

    فعادت له عافيته من الباطن والظاهر ،

    وذلك كما ورد في سورة ص ” ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴿42﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴿43﴾ ” صدق الله العظيم .


    فاستبطأته زوجته بعد ذلك، ذهبت تبحث عنه فتلقته تنظر إليه ، فأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان.

    فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك! هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك، إذ كان صحيحاً.

    قال: فإني أنا هو.

    وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير - الأندر: البيدر-
    فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح،
    أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض.

    وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما أيوب يغتسل عرياناً، خرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثو في ثوبه، فناداه ربه، يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك.

    وقال تعالى: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب.
    ، قال الحسن وقتادة : أحياهم الله تعالى له بأعيانهم، وزادهم مثلهم معهم.


    وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم}، قال: (ردَّ الله تعالى امرأته إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستاً وعشرين ذكراً.

    وقوله سبحانه: {رحمة منا} أي: رحمة به على صبره، وثباته، وإنابته، وتواضعه، واستكانته، {
    وذكرى لأولي الألباب} أي: عبرة لذوي العقول؛ ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة.

    وفي سورة الأنبياء: {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}
    ، أي: أجبنا دعاءه، وفعلنا معه ما فعلنا من ألوان الخيرات، من أجل رحمتنا به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكرى لغيره من العابدين، حتى يقتدوا به في صبره على البلاء، وفي المداومة على شكرنا في السراء والضراء.

    وقوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث}

    ذكروا أن أيوب عليه السلام كان قد غضب على زوجته،
    ونقم عليها في أمر فعلته.

    لأنها باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة.

    فلما شفاه الله وعافاه، ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تُقَابَل بالضرب،

    فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثاً - أي: حزمة أغصان كثيرة - فيه مائة قضيب، فيضربها بها ضربة واحدة، وقد برت يمينه، وخرج من حنثه، ووفى بنذره،

    وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه؛ ولهذا قال تعالى

    : {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب}،

    أثنى الله تعالى عليه ومدحه بقوله

    : {إنه أواب} أي: رجَّاع منيب للحق.




    عظات وعبر مستخلصة من قصة سيدنا أيوب عليه السلام
    في قصة سيدنا أيوب عليه السلام الكثير من العبر والعظات التي تعين المؤمن في دنياه وترشده لما فيه خيره وصلاحه في دنيته وآخرته.
    ومن أبرز العبر المستخلصة من هذه القصة وجوب الصبر على الشدائد والمحن والابتلاءات التي يتعرض لها المسلم في حياته، فالابتلاء هو سنة الله تعالى في عباده، حتى يمحص الصالحين من الفاسقين والمنافقين، بدليل قول الله تعالى: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم”
    والدرس الثاني في هذه القصة لزوم التضرع إلى الله تعالى والالتجاء إليه وعبادته في جميع الأحوال، في السراء والضراء، وفي الشدة وفي الفرج، حتى وإن طال العسر واشتد الخطب والكرب.
    أما الدرس الثالث المستخلص من هذه القصة فهو ضرورة اليقين الكامل والثقة التامة بقدرة الله تعالى واستجابته لتضرعات عباده ومناجاتهم له، فوحده الله تعالى هو القادر على فك الكرب وتفريج الهم والغم عن المسلم، وكشف الضر، فهو لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، فهذا اليقين والثقة بالله تعالى كافية لتجعل المسلم في حالة طمأنينة واستقرار نفسي وسكينة دائمة مهما ضرب به من كربات وشدائد.


  3. #23



    ذو الـكــفــل عــلــيـه الـــــســــلام


    ورد ذكر نبي الله ذو الكفل عليه السلام في قوله تعالي :

    وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ “،

    وذو الكفل هو من أنبياء بني إسرائيل، وسمي بذلك لأنه تكفل للنبي الذي كان في زمانه أن يخلفه في قومه إذا مت ، وتكفل له في قيام الليل وصوم النهار وألا يغضب في القضاء، وكان يصلي كل يوم مائة صلاة ويقضي بالعدل بين قومه
    وسوف نستعرض معكم قصة ذو الكفل علية السلام ونتعرف على تفاصيل حياته الشيقة
    .

    نـــبــــذة:

    هو من الأنبياء الصالحين، وكان يصلي كل يوم مائة صلاة، قيل إنه تكفل لبني قومه أن يقضي بينهم بالعدل ويكفيهم أمرهم ففعل فسمي بذي الكفل.
    سيرته:

    قال أهل التاريخ ذو الكفل هو ابن أيوب عليه السلام وأسمه في الأصل(بشر) وقد بعثه الله بعد أيوب وسماه ذا الكفل لأنه تكفل ببعض الطاعات فوقي بها، وكان مقامه في الشام وأهل دمشق يتناقلون أن له قبرا في جبل هناك يشرف على دمشق يسمى قاسيون. إلا أن بعض العلماء يرون أنه ليس بنبي وإنما هو رجل من الصالحين من بني إسرائيل. وقد رجح ابن كثير نبوته لأن الله تعالى قرنه مع الأنبياء فقال عز وجل:


    وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) (الأنبياء)

    قال ابن كثير : فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.

    والقرآن الكريم لم يزد على ذكر اسمه في عداد الأنبياء أما دعوته ورسالته والقوم الذين أرسل إليهم فلم يتعرض لشيء من ذلك لا بالإجمال ولا بالتفصيل لذلك نمسك عن الخوض في موضوع دعوته حيث أن كثيرا من المؤرخين لم يوردوا عنه إلا الشيء اليسير. ومما ينبغي التنبه له أن (ذا الكفل) الذي ذكره القرآن هو غير (الكفل) الذي ذكر في الحديث الشريف ونص الحديث كما رواه الأمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينار على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك ؟ أكرهتك ؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة ..قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ؟ ثم نزل فقال أذهبي بالدنانير لك ، ثم قال : والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل). رواه الترمذي وقال: حديث حسن وروي موقوفا على ابن عمر وفي إسناده نظر. فإن كان محفوظا فليس هو ذا الكفل وإنما لفظ الحديث الكفل من غير إضافة فهو إذا رجل آخر غير المذكور في القرآن.


    الــــــــرجــــــــــــــــل الـــصــــالــــــــح:

    أما من يقول أن ذو الكفل لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا من بني إسرائيل

    فيروي أنه كان في عهد نبي الله اليسع عليه السلام.

    وقد روي أنه لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل؟

    فجمع الناس فقال: من يتقبل لي بثلاث استخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب.

    فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا،

    فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم.

    لكن اليسع -عليه السلام- ردّ الناس ذلك اليوم دون أن يستخلف أحدا.

    وفي اليوم التالي خرج اليسع -عليه السلام- على قومه وقال مثل ما قال اليوم الأول،

    فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال أنا. فاستخلف اليسع ذلك الرجل
    .


    كان ذو الكفل رجلاً صالحًا وحكمًا مقسطًا عادلاً من بني إسرائيل وكان يصلي كل يوم مائة صلاة،

    قيل إنه تكفل لبني قومه أن يقضي بينهم بالعدل ويكفيهم أمرهم ففعل فسمي بذي الكفل.


    أراد إبليس أن يوقع سيدنا ذو الكفل في الخطأ، فأمر الشياطين

    قائلاً ” عليكم بذي الكفل، أوقعوه في الزلل”

    “، فعندما عجزوا عن ذلك،
    قال لهم ابليس : دعوني وإياه ..

    فجاءه إبليس في صورة شيخ عجوز فقير،

    بينما كان ذو الكفل عليه السلام يأخذ مضجعة للقيلولة لينام،

    فهو لم يكن ينام الليل تعبداً لله عز وجل، وكان يقضي في الناس حتي الظهر، ثم يأتي بعد ذلك ليأخذ قيلولة في منزلة،

    ثم يعود ليقضي بين الناس إلي الليل، وهكذا كانت حياته
    .


    وأراد إبليس ان يثير غضب ذي الكفل وبذلك يكون قد أوقعه في الخطأ، طرق بابه ساعة قيلولته


    ففتح ذو الكفل الباب وسأل : من أنت،

    فقال إبليس : أنا عجوز كبير في السن، وأتيتك في حاجة،

    ففتح ذو الكفل الباب وبدأ يستمع إلي الشيخ وهو يحدثه عنه خصومة بينه وبين قومه الذين ظلموه،

    وأخذ يماطل كثيرا في الحديث،

    حتي حان موعد مجلس ذو الكفل بين الناس، وفات وقت قيلولته وراحته ولم ينم،

    فقال ذو الكفل : “عندما أذهب لمجلس القضاء، فأتني وأنا آخذ لك حقك
    ”.

    خرج ذو الكفل لمجلسه ولكن الشيخ لم يحضر المجلس، وعقد المجلس من جديد في اليوم التالي ولم يحضر الشيخ ايضاً،

    وعندما عاد ذو الكفل إلي منزله ليأخذ القيلوله جاء الشيخ مرة أخري،

    فقال له ذو الكفل : ألم أقل لك أن تأتني في مجلس القضاء ؟

    فقال إبليس : إنهم قوم خبثاء وإن عرفوا أنك جالس في مجلسك يقولون لي نحن نعطيك حقك،
    وبمجرد أن تقوم من مجلسك جحدوا حقي من جديد،

    فقال ذو الكفل ” فانطلق هذه الساعة فإذا ذهبت مجلس القضاء فأتني
    ” .

    ومرة أخري فاتت قيلولة ذو الكفل عليه السلام وذهب إلي المجلس ولم يأتي الشيخ، وشق عليه النعاس،

    فقال أهله ” لا تدعنَّ أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق عليّ النعاس ” ،

    وأخذ ذو الكفل مضجعة لينام، فأتي الشيخ فمنعه الرجل من الدخول،

    فقال إبليس ” لقد أتيت أمس وذكرت له أمري وإني أريده الآن “،

    فقالوا له : لقد أمرنا ألا ندع أحد يقربه،

    فلما زاد عناد الرجل وتصميمة علي ألا يدعه يدخل،

    نظر فوجد ثقب في المنزل فدخل منه، ودق الباب من الداخل، فاستيقظ ذو الكفل،

    وقال للرجل : ألم آمرك ألا تدع أحد يدخل علي او يقترب من الباب حتي انام،

    فقال الرجل : والله لم ندع أحداً يقترب، فانظر من أين دخل
    ” .
    قام ذو الكفل فوجد الباب مغلق كما أغلقه،

    ولم يكن هناك أى منفذ لدخول الرجل إلي المنزل فعرف حينها أنه ابليس،

    فقال : “ما أنت إلا عدو الله إبليس”،

    فقال ابليس : نعم، فسأله ذو الكفل عن سبب فعله لكل هذا،

    فقال ابليس : “لقد سلطت عليك الشياطين لتوقعك في الزلل فلم تقدر،

    فأردت أن أثير غضبك وأجعل صبرك ينفذ فتقع في الخطأ”.

    وهكذا لم يستطع إبليس تغيير شيء من صفات ذو الكفل الذي ظل صابراً حليماً لا يغضب،

    فسماه الله ذو الكفل لأنه تكفل بأمر فأوفى به
    .

    يقال أن ذو الكفل مات وهو في سن الخامسة والسبعين من عمره،
    كما ويقال أن قبره يتواجد في قرية كفل حارس في مدينة نابلس في فلسطين
    .



    وقد وصف القرآن ذا الكفل بوصفين
    :

    الأول: أنه من الصابرين، والصبر من شيم الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من الصالحين.

    الثاني:
    أنه من الأخيار، أي: من المختارين المجتبين الأخيار.

    وهو وصف شارك فيه غيره من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام
    .



    الصور المرفقة الصور المرفقة

  4. #24

    يونس عليه السلام




    يُقال بأنّ نبي الله يونس عليه السلام، قد ولد في بلاد الشام في بلدة كفرا الجنوبية الواقعة في منطقة بنت جبيل في لبنان في القرن الثامن قبل الميلاد،
    ثم انتقل للعيش والإقامة في نينوى الواقعة على نهر دجلة باتجاه مدينة الموصل، ووُلد في كنف أسرة فقيرة فقد امتهن والده الاحتطاب وكان مصدر رزقه فيبيعه للناس، وكان رجلاً زاهداً فقير الحال مؤمناً بالله تعالى.


    كان يونس بن متى نبيا كريما أرسله الله إلى أهل نينوى في الموصل العراقيّة يعظهم، وينصحهم، ويرشدهم إلى الخير، ويذكرهم بيوم القيامة، ويخوفهم من النار، ويحببهم إلى الجنة، ويأمرهم بالمعروف، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده. وظل ذو النون -يونس عليه السلام- ينصح قومه فلم يؤمن منهم أحد.
    وحاول إقناع قومه بالرجوع إلى الله تعالى وترك عادات الجاهلية في عبادة الأوثان، لكنهم لم يستجيبوا له و أظهروا له الرفض التام ولم يبدى لهم أية استجابة له كما هو الحال في الأمم الغابرة التي مضت، فتوّعدهم بالعذاب الأليم من الله تعالى في يوم معلوم إن لم يعودوا إلى الله تعالى ويتوبوا.

    وجاء يوم فأحس سيدنا يونس باليأس من قومه.. وامتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لا يؤمنون،
    وخرج غاضبا وقرر هجرهم
    ووعدهم بحلول العذاب بهم بعد ثلاثة أيام.

    فقاده الغضب إلى شاطىء البحر حيث ركب سفينة مشحونة.


    ولم يكن الأمر الإلهي قد صدر له بأن يترك قومه أو ييأس منهم.

    فلما خرج من قريته،

    عند حلول موعد العذاب و بدأت إنذاراته وإشارات صدقه بالظهور، تأكد أهل القرية من نزول العذاب بهم .



    كانت المفاجأة أن ذهبوا إلى ظاهر المدينة والتجؤوا إلى الله تعالى تائبين .

    فقذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم وصرخوا وتضرعوا إلى الله عز وجل،

    وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات.
    وكانوا مائة ألف يزيدون ولا ينقصون. وقد آمنوا أجمعين.

    فلما صدقوا بالتوبة منع عنهم الله تعالى العذاب فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي استحقوه بتكذيبهم وآمنوا بالله تعالى وحده لا شريك له دون عبادة الأصنام.


    وذهبوا يبحثون عن يونس في مناكب الأرض ليشهروا له إيمانهم وتوبتهم إلى الله تعالى، ويطلبون منه أن يكف الله عنهم العذاب ولكن لم يكن لهم أن يجدوه،



    أما سيدنا يونس عليه السلام وصل إلى شاطئ البحر فشاهد سفينة راسية تستعّد للمضي قدماً في عرض البحر
    فسأل أهلها أن يرافقهم فوافقوا على ذلك،

    وعندما وصلت السفينة إلى عُرض البحر بدأت بالاضطراب والهيجان،

    فقالوا: "إن فينا صاحب ذنب، فقد هاج بها البحر، وارتفع من حولها الموج.

    وكان هذا علامة عند القوم بأن من بين الركاب راكباً مغضوباً عليه لأنه ارتكب خطيئة.
    وأنه لا بد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق.

    فاقترعوا على من يلقونه من السفينة .

    فخرج سهم يونس -وكان معروفاً عندهم بالصلاح- فأعادوا القرعة،

    فخرج سهمه ثانية، فأعادواها ثالثة،

    ولكن سهمه خرج بشكل أكيد



    فألقوه في البحر -أو ألقى هو نفسه في البحر ليكف غضب الله تعالى عنهم،



    فالتقمه الحوت وحدث ما أمرالله به فابتلعه حوت ضخم وسار به إلى ظلمات البحر،

    و أوحى الله للحوت أن لا يخدش ليونس لحما ولا يكسر له عظما

    وكانت المعجزة بأمر الله تعالى بأن يكون يونس آمناً في بطن الحوت،

    واختلف المفسرون في مدة بقاء يونس في بطن الحوت،

    فمنهم من قال أن الحوت التقمه عند الضحى، وأخرجه عند العشاء.
    ومنهم من قال انه لبث في بطنه ثلاثة أيام، ومنهم من قال سبعة


    بقي سيدنا يونس في بطن الحوت يستغفر الله
    وعندما أحس بالضيق في بطن الحوت، في ظلمات ثلاث
    -ظلمة الحوت، ظلمة البحر، وظلمة الليل-

    سبح الله واستغفره وقام ينادي بدعائه العظيم :


    (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).



    وسمع الله دعاءه واستجاب له. فحظي باستجابة الله تعالى لدعائه
    واستجاب له ونجاه مما ألم به من غم وهم في ظلمات بطن الحوت.

    أمر الله تعالى الحوت أن يُخرج سيدنا يونس عليه السلام من بطنه ويلقي به إلى اليابسة،


    (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون).

    وقد خرج من بطن الحوت عندما ألقي به وهو سقيم وهزيل، أنبت الله عليه شجرة القرع.

    قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حِكَم جمة.
    منها أن ورقه في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نياً ومطبوخاً،
    وبقشره وببزره أيضاً.
    وكان هذا من تدبير الله ولطفه. وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك.

    فشكر يونس عليه السلام ربه وحمده على النجاة فعافاه الله تعالى وغفر له،
    فلما استكمل عافيته رده الله إلى قومه الذين تركهم مغاضباً
    فعاد يونس عليه السلام إلى قومه فوجدهم مؤمنين بالله تعالى وحده ينتظرون عودته ليمتثلوا لأوامره،
    وبدأ يعلمّهم ويهديهم ويرشدهم إلى طريق الحق والصواب.
    ‏فضل يونس عليه السلام:

    لقد وردت أحاديث كثيرة عن فضل يونس عليه السلام، منها قول النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم:
    "‏لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من ‏‏ يونس بن متى"
    وقوله عليه الصلاة والسلام: "من قال أنا خير من ‏‏ يونس بن متى ‏ ‏فقد كذب".

    ذنب يونس عليه السلام:

    نريد الآن أن ننظر فيما يسميه العلماء ذنب يونس.

    هل ارتكب يونس ذنبا بالمعنى الحقيقي للذنب؟ وهل يذنب الأنبياء.؟

    الجواب أن الأنبياء معصومون..

    غير أن هذه العصمة لا تعني أنهم لا يرتكبون أشياء هي عند الله أمور تستوجب العتاب. المسألة نسبية إذن.

    يقول العارفون بالله: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.. وهذا صحيح.

    فلننظر إلى فرار يونس من قريته الجاحدة المعاندة.

    لو صدر هذا التصرف من أي إنسان صالح غير يونس.. لكان ذلك منه حسنة يثاب عليها.

    فهو قد فر بدينه من قوم مجرمين.

    ولكن يونس نبي أرسله الله إليهم.. والمفروض أن يبلغ عن الله ولا يعبأ بنهاية التبليغ أو ينتظر نتائج الدعوة.. ليس عليه إلا البلاغ.

    خروجه من القرية إذن.. في ميزان الأنبياء.. أمر يستوجب تعليم الله تعالى له وعقابه.

    إن الله يلقن يونس درسا في الدعوة إليه، ليدعو النبي إلى الله فقط.
    هذه حدود مهمته وليس عليه أن يتجاوزها ببصره أو قلبه ثم يحزن لأن قومه لا يؤمنون.

    ولقد خرج يونس بغير إذن فانظر ماذا وقع لقومه. لقد آمنوا به بعد خروجه..
    ولو أنه مكث فيهم لأدرك ذلك وعرفه واطمأن قلبه وذهب غضبه.. غير أنه كان متسرعا..
    وليس تسرعه هذا سوى فيض في رغبته أن يؤمن الناس،
    وإنما اندفع إلى الخروج كراهية لهم لعدم إيمانهم..
    فعاقبه الله وعلمه أن على النبي أن يدعو لله فحسب. والله يهدي من يشاء.


    توفي نبي الله يونس عليه السلام في بلدة كفرا البلدة التي ولد فيها، وكان ذلك في القرن السابع قبل الميلاد،
    ومقامه في تلك البلدة مازال قائماً حتى عصرنا الحالي، وهو محاط بالأعمدة والحجارة المنقوش عليها الرموز التاريخية.
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  5. #25



    شــــعــيــــب عـــلــيه الـــســـلام





    في قرية مدين حيث الأودية الخضراء كانت قيبلة عربية تعيش في رخاء من العيش ،

    و على مقربة من مدين كانت قرية صغيرة ، اشتهرت بخمائلها وبساتينها . .

    حتى عرفت بقرية ” الأيكة
    ” .
    في فترة قصيرة ازدهرت الحياة في تلك المنطقة . و قد ساعد اعتدال الهواء و تساقط الامطار على ازدهار الحياة الزراعية و الرعي فعاشت القريتان في بحبوحة من العيش .
    كانت قرية ” مدين ” قليلة السكان و لكن رخاء الحياة ساعد في تكاثر السكان و أصبحت قرية عامرة بالأسواق و النشاط .
    و في تلك القرية و في ذلك الزمان عاش رجل صالح يدعى ”
    شعيب ” .

    كان شعيب يحبّ قريته و يحبّ قبيلته بل أنه كان يحبّ الناس جميعاً
    .
    لهذا كان يهتم بشؤون الحياة في ” مدين ” في قرية ”
    الأيكة ” .



    أرسل الله شعيب عليه السلام إلى مدين وكانوا يعبدون الأيكة وكانو قوم أهل مدين وثنيين فهم يعبدون الأصنام . يعبدون حجارة لا قيمة لها و لا دور .
    و يتصوّرون أن هذه الحجارة و هذه التماثيل المنحوتة هي التي ترزقهم و تبارك قريتهم
    .


    و لكن لماذا يبدو على شعيب الحزن ؟ . . لماذا كان الرجل الصالح يتألم من أجل قومه ؟

    الله سبحانه رزق الناس كل شيء . . و أهل مدين كانوا يعيشون حياة رغيدة ، فقد كان كل شيء متوافراً في أسواقهم . .
    ولكنهم كانوا يَغِشُّون في معاملات البيع و الشراء ، كانوا يُنقصون في الوزن ويَغِشّون البائع و المشتري ،
    فاذا باعوا شيئاً خففوا في الوزن و إذا اشتروا شيئاً فانهم يشترونه بعد أن يُنقصوا في وزنه
    .
    وكانوا ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم ,

    لهذا كان سيدنا شعيب حزيناً.


    كان سيدنا شعيب خطيباً بليغ القول . . حجّته قوّية لأنه يتحدّث باسم الحق و العدالة الانسانية . . و يتحدث بلغة الفطرة الصافية .
    بدأ سيدنا شعيب دعوته الى عبادة الله الواحد و نبذ الاصنام ، ثم راح يتحدث بهدوء عن فساد السوق ، و الظلم الذي يرتكبه أهل ”
    مدين
    بعد أن شاع فيهم التطفيف في الميزان
    .

    قال سيدنا شعيب لهم انكم باعمالكم هذه سوف تنشرون الفساد . .
    الحياة الاجتماعية تنهض على التبادل . .
    فكل انسان يعطي ما يفضل عن حاجته و يأخذ ما يحتاج من ضروريات الحياة
    .
    و هذا التبادل في السوق يحتاج الى أمن عام يحفظ وزن الأشياء و نوعها و مقاديرها . .

    فاذا أشعتم الغش والتطفيف في الميزان و أعطيتم الردئ مكان الجيد ،
    و اذا احتلتم على المشتري او البائع ، فان هذا فيه الدمار لكم جميعاً
    .

    كانت كلمات النبي شعيب جميلة جدّاً لأنها تريد لهم حياة أفضل ،
    يريد أن يعيش اهل مدين في قرية عامرة بالخير و الرزق الوفير و الأمن و الايمان
    .


    كان سيدنا شعيب يعرف ما حلَّ بقوم نوح و قوم صالح و قوم هود . .
    يعرف ماذا حلّ بقوم نوح و كيف غرقوا في أمواج الطوفان و كيف هبَّت العواصف لتجتث قبيلة ثمود . .
    و كيف أمطرت السماء شهباً و ناراً لتُحيل ” سدوم ” و ” عامورا ” على البحر الميت الى خرائب
    . .


    قال شعيب لقومه : ألا تنظرون ما حلَّ بقوم لوط هذه خرائب قريتهم تشهد على ما حلّ بهم من العذاب لأنهم عصوا رسول الله اليهم .


    لقد برز في قصة شعيب أن الدين ليس قضية توحيد وألوهية فقط، بل إنه كذلك أسلوب لحياة الناس..

    أرسل الله تعالى شعيبا إلى أهل مدين.

    فقال شعيب
    (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُه)

    نفس الدعوة التي يدعوها كل نبي.. لا تختلف من نبي إلى آخر..

    لا تتبدل ولا تتردد. هي أساس العقيدة.. وبغير هذه الأساس يستحيل أن ينهض بناء.

    بعد تبيين هذا الأساس..

    بدأ شعيب في توضيح الأمور الاخرى التي جاءت بها دعوته

    (وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ)
    بعد قضية التوحيد مباشرة.. ينتقل النبي إلى قضية المعاملات اليومية.. قضية الأمانة والعدالة.


    قال: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
    انظر إلى تدخل الإسلام الذي بعث به شعيب في حياة الناس، إلى الحد الذي يرقب فيه عملية البيع والشراء.


    لم يزل شعيب ماضيا في دعوته.. ها هو ذا يكرر نصحه لهم بصورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية..

    إنه يوصيهم أن يوفوا المكيال والميزان بالقسط.. بالعدل والحق.. وهو يحذرهم أن يبخسوا الناس أشيائهم.

    لنتدبر معا في التعبير القرآني القائل:
    (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)
    كلمة الشيء تطلق على الأشياء المادية والمعنوية..
    أي أنها ليست مقصورة على البيع والشراء فقط، بل تدخل فيها الأعمال، أو التصرفات الشخصية.

    ويعني النص تحريم الظلم، سواء كان ظلما في وزن الفاكهة أو الخضراوات، أو ظلما في تقييم مجهود الناس وأعمالهم..

    ذلك أن ظلم الناس يشيع في جو الحياة مشاعر من الألم واليأس واللامبالاة،

    وتكون النتيجة أن ينهزم الناس من الداخل، وتنهار علاقات العمل،

    وتلحقها القيم.. ويشيع الاضطراب في الحياة..

    ولذلك يستكمل النص تحذيره من الإفساد في الأرض:

    وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ

    ) العثو هو تعمد الإفساد والقصد إليه فلا تفسدوا في الأرض متعمدين قاصدين

    (
    بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ).. ما عند الله خير لكم.. (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

    بعدها يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه.. ينحي نفسه ويفهمهم أنه لا يملك لهم شيئا..
    ليس موكلا عليهم ولا حفيظا عليهم ولا حارسا لهم..

    إنما هو رسول يبلغهم رسالات ربه: (
    وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)

    بهذا الأسلوب يشعر شعيب قومه بأن الأمر جد، وخطير، وثقيل.. إذ بين لهم عاقبة إفسادهم وتركهم أمام العاقبة وحدهم.

    كان هو يتكلم.. و قومه يستمعون..

    توقف هو عن الكلام وتحدث قومه:

    (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)

    كان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل، ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة..
    وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها..

    وكانوا من أسوأ الناس معاملة، ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص..

    انظر بعد هذا كله إلى حوارهم مع شعيب:

    (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)... ؟

    بهذا التهكم والسخرية المندهشة.. واستهوال الأمر..

    لقد تجرأت صلاة شعيب وأمرته أن يأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم..

    بهذا المنطق الساخر الهازئ وجه قوم شعيب خطابهم إلى نبيهم..

    ثم عادوا يتساءلون بدهشة ساخرة:

    (أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء)

    هل صلاتك يا شعيب تتدخل في إرادتنا، وطريقة تصرفنا في أموالنا..
    ما هي علاقة الإيمان والصلاة بالمعاملات المادية؟

    بهذا التساؤل الذي ظنه قوم شعيب قمة في الذكاء..
    طرحوا أمامه قضية الإيمان، وأنكروا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس وتعاملهم واقتصادهم.
    هذه المحاولة للتفريق بين الحياة الاقتصادية والإسلام، وإن حرية إنفاق المال أو إهلاكه أو التصرف فيه شيء لا علاقة له بالدين..
    هذه حرية الإنسان الشخصية.. وهذا ماله الخاص، ما الذي أقحم الدين على هذا وذاك؟..

    هذا هو فهم قوم شعيب للإسلام الذي جاء به شعيب، وهو لا يختلف كثيرا أو قليلا عن فهم عديد من الأقوام في زماننا الذي نعيش فيه.

    أدرك شعيب أن قومه يسخرون منه لاستبعادهم تدخل الدين في الحياة اليومية..

    ولذلك تجاوز السخرية إلى الجد.. أفهمهم أنه على بينة من ربه..

    إنه نبي يعلم وهو لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه، إنه لا ينهاهم عن شيء ليحقق لنفسه نفعا منه،

    إنه لا ينصحهم بالأمانة ليخلوا له السوق فيستفيد من التلاعب.. إنه لا يفعل شيئا من ذلك..

    إنما هو نبي.. وها هو ذا يلخص لهم كل دعوات الأنبياء هذا التلخيص المعجز:

    (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)

    إن ما يريده هو الإصلاح..

    هذه هي دعوات الأنبياء في مضمونها الحقيقي وعمقها البعيد.. إنهم مصلحون أساسا، مصلحون للعقول، والقلوب، والحياة العامة، والحياة الخاصة.

    بعد أن بين شعيب عليه السلام لقومه أساس دعوته، وما يجب عليهم الالتزام به، ورأى منهم الاستكبار، حاول إيقاض مشاعرهم بتذكيرهم بمصير من قبلهم من الأمم، وكيف دمرهم الله بأمر منه. فذكرهم قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط.
    وأراهم أن سبيل النجاة هو العودة لله تائبين مستغفرين، فالمولى غفور رحيم.

    لكن قوم شعيب أعرضوا عنه قائلين:

    (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا)

    إنه ضعيف بمقياسهم لأن الفقراء والمساكيهم فقط هم من اتبعوه،
    أما عالية القوم فاستكبروا وأصروا على طغيانهم.
    إنه مقياس بشري خاطئ، فالقوة بيد الله، والله مع أنبياءه.

    ويستمر الكفرة في تهديهم قائلين:

    (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)

    لولا أهلك وقومك ومن يتبعك لحفرنا لك حفرة وقتلناك ضربا بالحجارة.

    نرى أنه عندما أقام شعيب -عليه السلام- الحجة على قومه، غيروا أسلوبهم،
    فتحولوا من السخرية إلى التهديد. وأظهروا حقيقة كرههم له.

    لكن شعيب تلطف معهم..
    تجاوز عن إساءتهم إليه وسألهم سؤالا كان هدفه إيقاظ عقولهم:

    (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ)

    يا لسذاجة هؤلاء إنهم يسيئون تقدير حقيقة القوى التي تتحكم في الوجود..

    إن الله هو وحده العزيز.. والمفروض أن يدركوا ذلك..
    المفروض ألا يقيم الإنسان وزنا في الوجود لغير الله..
    ولا يخشى في الوجود غير الله.. ولا يعمل حسابا في الوجود لقوة غير الله ..
    إن الله هو القاهر فوق عباده.

    ويبدو أن قوم شعيب ضاقوا ذرعا بشعيب. فاجتمع رؤساء قومه. ودخلوا مرحلة جديدة من التهديد..

    هددوه أولا بالقتل، وها هم أولاء يهددونه بالطرد من قريتهم..

    ثم خيروه بين التشريد، والعودة إلى ديانتهم وملتهم التي تعبد الأشجار والجمادات..

    ورد شعيب عليهم أن مسألة عودته في ملتهم مسألة لا يمكن حتى التفكير بها فكيف بهم يسألونه تنفيذها.

    لقد نجاه الله من ملتهم، فكيف يعود إليها؟

    أنه هو الذي يدعوهم إلى ملة التوحيد.. فكيف يدعونه إلى الشرك والكفر؟

    أنه يدعوهم برفق ولين وحب.. وهم يهددونه بالقوة.

    واستمر الصراع بين قوم شعيب ونبيهم.. حمل الدعوة ضده الرؤساء والكبراء والحكام..
    وبدا واضحا أن لا أمل فيهم.. لقد أعرضوا عن الله.. أداروا ظهورهم لله.

    فنفض شعيب يديه منهم. لقد هجروا الله، وكذبوا نبيه، واتهموه بأنه مسحور وكاذب..

    وانتقل الصراع إلى تحد من لون جديد.

    بدأو يطالبونه بأن يسقط عليهم كسفا من السماء إن كان من الصادقين..

    وراحوا يسألونه عن عذاب الله..

    أين هو..؟

    وكيف هو..؟

    ولماذا تأخر..؟

    سخروا منه..

    وانتظر شعيب أمر الله.

    أوحى الله إليه أن يخرج المؤمنين ويخرج معهم من القرية..

    وخرج شعيب.. وجاء أمره تعالى:

    وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (94) (هود)



    هي صيحة واحدة.. صوت جاءهم من غمامة أظلتهم.. ولعلهم فرحوا بما تصوروا أنها تحمله من المطر..

    ثم فوجئوا أنهم أمام عذاب عظيم ليوم عظيم..

    انتهى الأمر.

    أدركتهم صيحة جبارة

    جعلت كل واحد فيهم يجثم على وجهه في مكانه الذي كان فيه في داره..

    صعقت الصيحة كل مخلوق حي..

    لم يستطع أن يتحرك أو يجري أو يختبئ أو ينقذ نفسه..

    جثم في مكانه مصروعا بصيحة.



    بعدها كان المرء عندما يمر بتلك القرية الجميلة فانه يصاب بالدهشة كيف تحولت و في لحظات الى اطلال و خرائب ؟!

    و كان العجيب في تلك الحادثة أن المؤمنين وحدهم قد نجوا و خرجوا من القرية بسلام .


    أما قرية الايكة ، فقد حلّ فيها عذاب آخر و كان عذاب يوم الظلّة .


    و رأى سيدنا شعيب خرائب القرية فقال بحزن :

    { يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ }[1].

    و عاش سيدنا شعيب بقية عمره في ”
    مدين ” و كان عنده قطيع من الماشية .

    و عندما أصبح شيخاً طاعناً في السن تولّت ابنتاه الرعي و كانتا تعانيان في هذه المهمة خاصّة عندما تريديان أن تسقيا قطيع الأغنام ، لأن الفتاة يمنعها الحياء فلا تستطيع أن تزاحم الرعاة .
    و ذات يوم جاء شاب من مصر كان عمره ثلاثين سنة ، انه موسى بن عمران الذي فرّ من ظلم الفراعنه و لجأ الى قرية مدين ،







    فماذاحصل ؟




    هذا ما سنعرفه في القصة القادمة من سلسلة

    (( كل يوم قصة من قصص الأنبياء ))



    فإلى اللقاء .


    بسم الله الرحمن الرحيم

    { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {7/85} وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {7/86} وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ {7/87} (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ {7/88} قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ {7/89} وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ {7/90} فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ {7/91} الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ {7/92} فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ {7/93} [2


    صدق الله العظيم ,,



    الصور المرفقة الصور المرفقة

  6. #26






    قبل أن أتحدث عن قصة سيدنا موسى عليه السلام


    دعونا نستكشف معا قصة أهل القرية

    مع





    أنبياء أهل القرية

    ورد ذكر القصة في سورة "ياسين" بالقرآن الكريم،

    قال الله سبحانه وتعالى عنها:

    "وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ. قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ. قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ. قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ. وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ. وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ. إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ. إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ".


    القصة :

    أرسل الله رسولين لإحدى القرى لكن أهلها كذبوهما، فأرسل الله تعالى رسولا ثالثا يصدقهما.

    ويذكر لنا القرآن الكريم قصة رجل آمن بهم ودعى قومه للإيمان بما جاؤوا به لكنهم قتلوه، فأدخله الله الجنة.

    حكي الحق تبارك وتعالى قصة أنبياء ثلاثة بغير أن يذكر أسمائهم. كل ما يذكره السياق أن القوم كذبوا رسولين فأرسل الله ثالثا يعزرهما.
    ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية. وقد اختلفت فيها الروايات.
    وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها
    أو موضعها لا يزيد شيئاً في دلالة القصة وإيحائها. لكن الناس ظلوا على إنكارهم للرسل وتكذيبهم، وقالوا


    (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)

    وهذا الاعتراض المتكرر على بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك, قد كانوا يتوقعون دائماً أن يكون هناك سر غامض في شخصية الرسول وحياته تكمن وراءه الأوهام والأساطير..

    أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار فيها ولا ألغاز حولها ?!
    شخصية بشرية عادية من الشخصيات التي تمتلىء بها الأسواق والبيوت ?!

    وهذه هي سذاجة التصور والتفكير فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة.
    فالرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية.

    وحياة الرسل هي النموذج الواقعي للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي. النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به.
    وهم بشر. فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليكون نموذجاً من الحياة يمكنهم أن يقلدوه ويقتدو به .

    وفي ثقة المطمئن إلى صدقه, العارف بحدود وظيفته أجابهم الرسل:

    إن الله يعلم، وهذا يكفي. وإن وظيفة الرسل البلاغ.

    وقد أدوه. والناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون لأنفسهم من تصرف. وفيما يحملون في تصرفهم من أوزار.
    والأمر بين الرسل وبين الناس هو أمر ذلك التبليغ عن الله; فمتى تحقق ذلك فالأمر كله بعد ذلك إلى الله.

    ولكن المكذبين الضالين لا يأخذون الأمور هذا المأخذ الواضح السهل اليسير;

    ولا يطيقون وجود الدعاة إلى الهدى ويعمدون إلى الأسلوب الغليظ العنيف في مقاومة الحجة لأن الباطل ضيق الصدر.
    قالوا: إننا نتشاءم منكم; ونتوقع الشر في دعوتكم; فإن لم تنتهوا عنها فإننا لن نسكت عليكم, ولن ندعكم في دعوتكم

    ( لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ).

    هكذا أسفر الباطل عن غشمه; وأطلق على الهداة تهديده; وبغى في وجه كلمة الحق الهادئة!

    ولكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمضي في الطريق:


    (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ).

    فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة من خرافات الجاهلية. والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة;
    وأن حظهم ونصيبهم من خير ومن شر لا يأتيهم من خارج نفوسهم. إنما هو معهم.
    مرتبط بنواياهم وأعمالهم, متوقف على كسبهم وعملهم.
    وفي وسعهم أن يجعلوا حظهم ونصيبهم خيراً أو أن يجعلوه شراً.
    فإن إرادة الله بالعبد تنفذ من خلال نفسه, ومن خلال اتجاهه, ومن خلال عمله.
    وهو يحمل طائره معه. هذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح.
    أما التشاؤم بالأمكنة أو التشاؤم بالوجوه أو التشاؤم بالكلمات،
    فهو خرافة لا تستقيم على أصل!

    وقالوا لهم: (أَئِن ذُكِّرْتُم)

    أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم! أفهذا جزاء التذكير?

    (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ)

    تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير; وتجازون على الموعظة بالتهديد والوعيد; وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب!

    ما كان من الرجل المؤمن:

    لا يقول لنا السياق ماذا كان من أمر هؤلاء الأنبياء، إنما يذكر ما كان من أمر إنسان آمن بهم. آمن بهم وحده..
    ووقف بإيمانه أقلية ضعيفة ضد أغلبية كافرة.

    إنسان جاء من أقصى المدينة يسعى. جاء وقد تفتح قلبه لدعوة الحق..
    فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق.
    وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتاً;
    ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور;
    ولكنه سعى بالحق الذي آمن به.
    سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون.

    وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق, وفي كفهم عن البغي,
    وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.

    ويبدو أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان. ولم تكن له عشيرة تدافع عنه إن وقع له أذى.
    ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها.

    فقال لهم: اتبعوا هؤلاء الرسل، فإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة, وهو لا يطلب أجراً,
    ولا يبتغي مغنماً. إنه لصادق.
    وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفاً من الله?
    ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة?
    ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة?
    والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم, وهو لا يجني من ذلك كسباً,
    ولا يطلب منهم أجراً?

    وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم. فهم يدعون إلى إله واحد. ويدعون إلى نهج واضح. ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض. فهم مهتدون إلى نهج سليم, وإلى طريق مستقيم.

    ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه هو وعن أسباب إيمانه, ويناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه فاقتنعت بالبرهان الفطري السليم.

    فلقد تسائل مع نفسه قبل إئمانه، لماذا لا أعبد الذي فطرني؟

    والذي إليه المرجع والمصير?
    وما الذي يحيد بي عن هذا النهج الطبيعي الذي يخطر على النفس أول ما يخطر?

    إن الفطرة مجذوبة إلى الذي فطرها, تتجه إليه أول ما تتجه, فلا تنحرف عنه إلا
    بدافع آخر خارج على فطرتها. والتوجه إلى الخالق هو الأولى.

    ثم يبين ضلال المنهج المعاكس. منهج من يعبد آلهة غير الرحمن لا تضر ولا تنفع.
    وهل أضل ممن يدع منطق الفطرة الذي يدعو المخلوق إلى عبادة خالقه,
    وينحرف إلى عبادة غير الخالق بدون ضرورة ولا دافع?
    وهل أضل ممن ينحرف عن الخالق إلى آلهة ضعاف لا يحمونه
    ولا يدفعون عنه الضر حين يريد به خالقه الضر بسبب انحرافه وضلاله?


    والآن وقد تحدث الرجل بلسان الفطرة الصادقة العارفة الواضحة يقرر قراره الأخير في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين.
    لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد ومن كل تكذيب:

    (إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)

    هكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة. وأشهدهم عليها.
    وهو يوحي إليهم أن يقولوها كما قالها.
    أو أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون!

    استشهاد الرجل ودخوله الجنة:

    ويوحي سياق القصة بعد ذلك القوم الكافرين قتلوا الرجل المؤمن. وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صراحة.
    إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها, وعلى القوم وما هم فيه;
    ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق,
    متبعاً صوت الفطرة, وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل.
    نراه في العالم الآخر.

    ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة. تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد:

    (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ .. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).

    وتتصل الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء.
    وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة.

    ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق.
    ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم.
    ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين.

    ونرى الرجل المؤمن. وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة,
    يذكر قومه طيب القلب رضي النفس,
    يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة, ليعرفوا الحق, معرفة اليقين.

    إهلاك أصحاب القرية بالصيحة:

    هذا كان جزاء الإيمان. فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره. فهو ضعيف ضعيف:

    (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ .. إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ).

    لا يطيل هنا في وصف مصرع القوم, تهويناً لشأنهم, وتصغيراً لقدرهم.

    فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم.

    ويسدل الستار على مشهدهم البائس المهين الذليل!

    تجاوز السياق أسماء الأنبياء وقصصهم ليبرز قصة رجل آمن.. لم يذكر لنا السياق اسمه. اسمه لا يهم.. المهم ما وقع له..

    لقد آمن بأنبياء الله..

    قيل له ادخل الجنة.

    ليكن ما كان من أمر تعذيبه وقتله.

    ليس هذا في الحساب النهائي شيئا له قيمته انما تكمن القيمة في دخوله الجنة فور إعلانه أنه آمن. وفور قتله.


    *****
    ***
    **



    نهاية القصة
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  7. #27







    سيدنا موسى عليه السلام




    نحكي لكم اليوم قصة النبى موسى عليه السلام كما وردت في كتاب الله عز وجل،

    قصة جميلة ورائعة جداً تبين نصر الله تعالي وتأييده لعبادة الصالحين ولنبيه الكريم،

    إنها فعلا قصة شيقة ورائعة


    فلنبدأ معاً في قراءت القصة ,,


    أثناء حياة يوسف عليه السلام بمصر، تحولت مصر إلى التوحيد. توحيد الله سبحانه، وهي الرسالة التي كان يحملها جميع الرسل إلى أقوامهم.
    لكن بعد وفاته، عاد أهل مصر إلى ضلالهم وشركهم. أما أبناء يعقوب، أو أبناء إسرائيل، فقد اختلطوا بالمجتمع المصري،
    فضلّ منهم من ضل، وبقي على التوحيد من بقي. وتكاثر أبناء إسرائيل وتزايد عددهم، واشتغلوا في العديد من الحرف.


    كان هناك ملك طاغية يدعي "فرعون" وقد رأي في ليلة من الليالي أن ناراً تأكل ملكه وتقتل شعبه وهي آتية من ناحية بيوت بني إسرائيل،
    قام فرعون مفزوعاً خائفاً من نومه، فأسرع بإستدعاء السحرة والكهنه وحكي لهم ما رأي، فأخبروه أن تفسير هذة الرؤيا أنه سيولد في بني إسرائيل غلام يكون سبباً في ذهاب ملكه وهلاكه علي يديه، فإشتد فزع فرعون


    فأصدر أمره ألا يلد أحد من بني إسرائيل ولداً إلا أن يقتلوه,
    وأمر جنوده وحاشيته أن يقتلوا كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل .
    وبدأ تطبيق النظام،

    ثم قال مستشارون فرعون له، إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون،
    وهذا سينتهي إلى إفناء بني إسرائيل، فستضعف مصر لقلة الأيدي العاملة بها.
    والأفضل أن تنظم العملية بأن يذبحون الذكور في عام ويتركونهم في العام الذي يليه.

    ووجد فرعون أن هذا الحل أسلم.

    وحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يقتل فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة.

    فلما جاء العام الذي يقتل فيه الغلمان
    أصبحت أم هارون حاملاً بنبي الله موسي عليه السلام،
    فعندما علمت بحملها خافت من أمر فرعون وأخفت حملها مخافتاً عليه،
    فكانت لا تظهر لأحد أبداً انها حاملاً حتي أتمت حملها

    وجاء وقت الوضع، فأنجبت نبي الله موسي عليه السلام سراً،
    وحفظه الله عز وجل فلم يعلم جنود فرعون بأمر موسى،

    وقذف الله في قلب أم موسى أنها إن خافت عليه تضعه في صندوق وتربطه ببيتها وتلقيه في النهر
    لكي لا يراه أحد من جنود فرعون الظالم، وترضعه كل فترة .




    خرجت أم موسي لترضع إبنها، فإذا بها تجد أن الحبل قد قطع وأن الصندوق قد جري في النهر
    كذلك أصدرالله سبحانه وتعالى أمره للنهر أن يحمل موسى بهدوء ورفق حتى يسلمه إلى قصر فرعون بأمر من الله سبحانه وتعالى.



    وهنا يتجلى دور الأخت مع أخيها، حباً، وخوفاً عليه وشفقة، وتعرضاً للمخاطر وتضحية من أجله،

    إنها أخت موسى عليه السلام وهي: مريم بنت عمران، ليست أم عيسى عليه السلام،

    لكنه توافق أسماء، وذكر أن اسمها كلثمة وقيل كلثوم

    وهي أخت ذكية لماحة، أخت ناصحة مشفقة، أخت مطيعة لأمها بارة بأخيها، إنها أخت موسى عليه السلام،
    كان لها أثر كبير في حياة موسى

    لقد كان لأخت موسى يدٌ بيضاء عليه،
    فقد وقفت بجوار أمها لحظة أن وضعت وليدها- موسى- الذي كان محكوماً عليه بالذبح،
    لولا أن تعهدته أخته منذ لحظة ميلاده بالرعاية والاهتمام حتى لا يصدر منه صوت، فتكون نهايته،
    فقد كان جواسيس فرعون الطاغية في كل مكان على الأبواب ليقتلوا كل طفل يولد،

    وعندما وضعته أمه في التابوت، ثم في النهر،

    وألقته به وهي لا تدري أين يستقر؟

    فطلبت من إبنتها كلثمة لتعقب أثره، وكانت الفتاة صاحبة عين بصيرة،

    وقالت قصيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا؟

    أحيٌّ ابني؟ أو قد أكلته دواب البحر؟

    واتبعي يا ابنتي أثره، وانظري كيف يُصنع به؟

    قصيه يا ابنتي ولا تتركيه يغيب عن ناظريك؟!

    كان قلب الأم، وهو أرحم القلوب في الدنيا، يمتلئ بالألم وهي ترمي ابنها في النهر،

    لكنها كانت تعلم أن الله أرحم بموسى منها، والله هو ربه ورب النهر.

    لم يكد الصندوق يلمس مياه النيل حتى أصدر الخالق أمره إلى الأمواج أن تكون هادئة حانية
    وهي تحمل هذا الرضيع الذي سيكون نبيا فيما بعد،





    فما كان من هذه البنت البارة المطيعة إلا أن تسمع كلام أمها، وأن تستجيب لطلبها مهما كانت المخاطر،
    فقامت دون تردد أو تلكأ أو تأخير، تتبع الصندوق أخذت ترقبه بطرف عينها من بُعد
    ولم تغفل عن أخيها لحظة واحدة ،لم تدن منه ولم تقترب، لئلا يُعلم أو يُشك بصلته بها،
    فمن ذكائها كانت تمشي جانبا وتنظر اختلاسًا كأنها لا تنظره تمشي على حافة النهر تتبعك،
    عينها على التابوت خوفاً عليك، يا ترى كيف حالها وشعورها
    وهي ترى الصندوق يجري على سطح الماء؟!،
    ربما ارتفع قلبها ونزل مع ارتفاع كل موجة ونزولها،
    إنه قلب الأخت الرحيمة يكاد يطير أو ينخلع،
    فهي خائفة على غرق الصندوق تارة،
    وخائفة من أعين الناس يرقبونها تارة،
    وخائفة من أعين حرس فرعون الذين يفتشون عن الصبيان في كل مكان لقتلهم تارة،

    فآهٍ لقلبك أيتها الأخت البارة؟
    فمن حسن صنيعها وذكائها لا يشعرون أنها ترقبه، ولا بأنها أخته، وهذا من فطنتها،
    وأخذها الحيطة والحذر،


    وفي ذلك الصباح خرجت زوجة فرعون تتمشى في حديقة القصر

    آسيا بنت مزاحم"، امرأة فرعون كما ذكرها القرآن الكريم وذكرتها كتب التاريخ

    كانت زوجة فرعون تختلف كثيرا عنه. فقد كان هو كافرا وكانت هي مؤمنة.
    كان هو قاسيا وكانت هي رحيمة. كان جبارا وكانت رقيقة وطيبة.
    وأيضا كانت حزينة، فلم تكن تلد. وكانت تتمنى أن يكون عندها ولد.

    كانت تعيش في أعظم القصور وأفخمها إذ كان قصرها مليئاً بالجواري والعبيد والخدم أي أنها كانت تعيش حياة مترفة منعمة،
    و زوجها الفرعون الذي طغى واستكبر في زمانه وادعى الألوهية وأمر عبيده بأن يعبدوه ويقدسوه هو لا أحد سواه،
    وأن ينادوه بفرعون الإله -معاذ الله- .

    بدأت قصة أسية إمرأة فرعون

    عندما ذهبت الجواري ليملأن الجرار من النهر، وجدن الصندوق، فحملنه كما هو إلى زوجة فرعون. فأمرتهن أن يفتحنه ففتحنه.

    فما هوموقفها عندما رأت موسى عليه السلام في التابوت، ؟



    فرأت موسى بداخله فأحست بحبه في قلبها فقد كان لوجهه المنير الذي تشع منه البراءة أثر كبير في نفسها.

    فلقد ألقى الله في قلبها محبته فحملته من الصندوق.
    فاستيقظ موسى وبدأ يبكي. كان جائعا يحتاج إلى رضعة الصباح فبكى.

    فجاءت آسية الى فرعون، وهي تحمل بين بيدها طفلا رضيعا.

    فسأل من أين جاء هذا الرضيع؟ فحدثوه بأمر الصندوق.
    فقال بقلب لا يعرف الرحمة: لابد أنه أحد أطفال بني إسرائيل.
    أليس المفروض أن يقتل أطفال هذه السنة؟

    فذكّرت آسيا فرعون بعدم قدرتهم على الانجاب وطلبت منه أن يسمح لها بتربيته.

    فأقنعت فرعون بالاحتفاظ به وأن يكون لهما طفلاً،
    ويربونه كابن لهما ، في البداية لم يقتنع بكلامها ولكن إصرار آسيه جعله يوافقها على رأيها وأحبته حب الأم لولدها.




    ********




    عاد موسى للبكاء من الجوع. فأمرت بإحضار المراضع.
    فحضرت مرضعة من القصر وأخذت موسى لترضعه فرفض أن يرضع منها.
    فحضرت مرضعة ثانية وثالثة وعاشرة وموسى يبكي ولا يريد أن يرضع.
    فاحتارت زوجة فرعون ولم تكن تعرف ماذا تفعل.

    لم تكن زوجة فرعون هي وحدها الحزينة الباكية بسبب رفض موسى لجميع المراضع.



    فلقد كانت أم موسى هي الأخرى حزينة باكية.

    لم تكد ترمي موسى في النيل حتى أحست أنها ترمي قلبها في النيل.
    غاب الصندوق في مياه النيل واختفت أخباره.



    وجاء الصباح على أم موسى فإذا قلبها فارغ يذوب حزنا على ابنها،

    وكادت تذهب إلى قصر فرعون لتبلغهم نبأ ابنها وليكن ما يكون.

    لولا أن الله تعالى ربط على قلبها وملأ بالسلام نفسها فهدأت واستكانت وتركت أمر ابنها لله.

    كل ما في الأمر أنها قالت لأخته: اذهبي بهدوء إلى المدينة وحاولي أن تعرفي ماذا حدث لموسى.


    وذهبت أخت موسى بهدوء ورفق إلى جوار قصر فرعون، فإذا بها تسمع القصة الكاملة.
    رأت موسى من بعيد وسمعت بكاءه، ورأتهم حائرين لا يعرفون كيف يرضعونه،
    سمعت أنه يرفض كل المراضع.

    وقالت أخت موسى لحرس فرعون: هل أدلكم على أهل بيت يرضعونه ويكفلونه ويهتمون بأمره ويخدمونه؟

    ففرحت زوجة فرعون كثيرا لهذا الأمر، وطلبت منها أن تحضر المرضعة.

    وعادت أخت موسى وأحضرت أمها. وأرضعته أمه فرضع موسى عليه السلام من أمه.

    وتهللت زوجة فرعون وقالت:

    "خذيه حتى تنتهي فترة رضاعته وأعيديه إلينا بعدها، وسنعطيك أجرا عظيما على تربيتك له".




    وهكذا رد الله تعالى موسى لأمه كي تقر عينها ويهدأ قلبها ولا تحزن

    ولتعلم أن وعد الله حق وأن كلماته سبحانه تنفذ رغم أي شيء. ورغم كل شيء.


    *********
    *****
    **
    *

    هذه نهاية الجزء الاول

    من قصة سيدنا موسى عليه السلام
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  8. #28




    الجزء الثاني

    من قصة سيدنا موسى عليه السلام





    نشأة موسى في بيت فرعون:

    أتمت أم موسى رضاعته وأسلمته لبيت فرعون.

    كان موضع حب الجميع. كان لا يراه أحد إلا أحبه.
    وها هو ذا في أعظم قصور الدنيا يتربى بحفظ الله وعنايته.

    بدأت تربية موسى في بيت فرعون. وكان هذا البيت يضم أعظم المربين والمدرسين في ذلك الوقت.
    كانت مصر أيامها أعظم دولة في الأرض. وكان فرعون أقوى ملك في الأرض،
    ومن الطبيعي أن يضم قصره أعظم المدربين والمثقفين والمربين في الأرض.

    وهكذا شاءت حكمة الله تعالى أن يتربى موسى أعظم تربية وأن يتعهده أعظم المدرسين،
    وأن يتم هذا كله في بيت عدوه الذي سيصطدم به فيما بعد تنفيذا لمشيئة الخالق.


    وكبر موسى في بيت فرعون. كان موسى يعلم أنه ليس ابنا لفرعون، إنما هو واحد من بني إسرائيل.

    وكان يرى كيف يضطهد رجال فرعون وأتباعه بني إسرائيل..

    وكبر موسى وبلغ أشده.. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا)

    وراح يتمشى فيها.

    فوجد رجلا من اتباع فرعون وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل، واستغاث به الرجل الضعيف

    فتدخل موسى وأزاح بيده الرجل الظالم فقتله.

    كان موسى قويا جدا، ولم يكن يقصد قتل الظالم، إنما أراد إزاحته فقط،
    لكن ضربته هذه قتلته.

    ففوجئ موسى به وقد مات وقال لنفسه:

    (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ).

    ودعا موسى ربه:

    (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي).

    وغفر الله تعالى له، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

    أصبح موسى (فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ).

    كان هذا حال موسى، حال إنسان مطارد، فهو خائف، يتوقع الشر في كل خطوة، وهو مترقب، يلتفت لأوهى الحركات وأخفاها.

    ووعد موسى بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين.
    لن يتدخل في المشاجرات بين المجرمين والمشاغبين ليدافع عن أحد من قومه.

    وفوجئ موسى أثناء سيره بنفس الرجل الذي أنقذه بالأمس وهو يناديه ويستصرخه اليوم.
    كان الرجل مشتبكا في عراك مع أحد المصريين.
    وأدرك موسى بأن هذا الإسرائيلي مشاغب.
    أدرك أنه من هواة المشاجرات.
    وصرخ موسى في الإسرائيلي يعنفه قائلا: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ).
    قال موسى كلمته واندفع نحوهما يريد البطش بالمصري.
    واعتقد الإسرائيلي أن موسى سيبطش به هو. دفعه الخوف من موسى إلى استرحامه صارخا،
    وذكّره بالمصري الذي قتله بالأمس.
    فتوقف موسى، سكت عنه الغضب وتذكر ما فعله بالأمس،
    وكيف استغفر وتاب ووعد ألا يكون نصيرا للمجرمين.
    استدار موسى عائدا ومضى وهو يستغفر ربه.

    وأدرك المصري الذي كان يتشاجر مع الإسرائيلي أن موسى هو قاتل المصري الذي عثروا على جثته أمس.
    ولم يكن أحد من المصررين يعلم من القاتل.
    فنشر هذا المصري الخبر في أرجاء المدينة.

    وانكشف سر موسى وظهر أمره.
    وجاء رجل مصري مؤمن من أقصى المدينة مسرعا.
    ونصح موسى بالخروج من مصر، لأن المصريين ينوون قلته.

    لم يذكر القرآن الكريم اسم الرجل الذي جاء يحذر موسى.
    ونرجح أنه كان رجلا مصريا من ذوي الأهمية،
    فقد اطلع على مؤامرة تحاك لموسى من مستويات عليا، ولو كان شخصية عادية لما عرف.
    يعرف الرجل أن موسى لم يكن يستحق القتل على ذنبه بالأمس..
    لقد قتل الرجل خطأ.
    فيجب أن تكون عقوبته السجن على أقصى تقدير.

    لكن رؤساء القوم وعليتهم، الذين يبدوا أنهم كانوا يكرهون موسى لأنه من بني إسرائيل،
    ولأنه نجى من العام الذي يقتل فيه كل مولود ذكر،
    وجدوا هذه الفرصة مناسبة للتخلص من موسى، فهو قاتل المصري،
    لذا فهو يستحق القتل.

    خرج موسى من مصر على الفور. خائفا يتلفت ويتسمع ويترقب.

    في قلبه دعاء لله (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

    وكان القوم ظالمين حقا. ألا يريدون تطبيق عقوبة القتل العمد عليه،
    وهو لم يفعل شيئا أكثر من أنه مد يده وأزاح رجلا فقتله خطأ؟

    خرج موسى من مصر على عجل. لم يذهب إلى قصر فرعون ولم يغير ملابسه ولم يأخذ طعاما للطريق ولم يعد للسفر عدته. لم يكن معه دابة تحمله على ظهرها وتوصله. ولم يكن في قافلة. إنما خرج بمجرد أن جاءه الرجل المؤمن وحذره من فرعون ونصحه أن يخرج. اختار طريقا غير مطروق وسلكه. دخل في الصحراء مباشرة واتجه إلى حيث قدرت له العناية الإلهية أن يتجه. لم يكن موسى يسير قاصدا مكانا معينا. هذه أول مرة يخرج فيها ويعبر الصحراء وحده.



    ظل يسير بنفسية المطارد حتى وصل إلى مكان. كان هذا المكان هو مدين.
    جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم.
    وكان خائفا طوال الوقت أن يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.

    لم يكد موسى يصل إلى مدين حتى ألقى بنفسه تحت شجرة واستراح. نال منه الجوع والتعب، وسقطت نعله بعد أن
    ذابت من مشقة السير على الرمال والصخور والتراب. لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة.
    ولم تكن معه نقود لشراء طعام أو شراب.


    لاحظ موسى جماعة من الرعاة يسقون غنمهم،

    ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم القوم،

    وأخذته الغيرة على فتاتين تنتظران الرجال حتى انتهوا من ملء المياه

    فقال لهما: ما خطبكما؟

    (( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ

    قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
    ((



    فقال لهما: ما خطبكما؟

    قالت الأخرى: لا نستطيع أن نزاحم الرجال.

    اندهش موسى لأنهما ترعيان الغنم. المفروض أن يرعى الرجال الأغنام.
    هذه مهمة شاقة ومتعبة وتحتاج إلى اليقظة.

    سأل موسى: لماذا ترعيان الغنم؟

    فقالت واحدة منهما: أبونا شيخ كبير لا تساعده صحته على الخروج كل يوم للرعي.

    فقال موسى: سأسقي لكما.

    )) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ))


    عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ.

    أعجب أبوهما الشيخ الكبير من عودة ابنتيه مبكرتين.

    سأل الأب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!
    قالت إحداهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.
    فقصتا عليه قصة الرجل الغريب الذي سقى لهما،


    فقال الأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ)
    ليعطيك (أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)

    (( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا

    فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ))


    لبى موسى الدعوة، وسار مع ابنة الشيخ، قالوا: وقد طلب منها أن تسير خلفه وتدله على الطريق،

    لئلا يقع بصره على جسمها وهي تمشي، وذلك عفة منه.

    دخل موسى على الشيخ الكبير، فرحب به، وقدم له القِرى، وسأله عن خطبه،
    فقص عليه القصص، ووصف له حاله وحال بني إسرائيل في
    مصر،

    قال: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

    وقيل أن الشيخ هو
    شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء.وقيل أنه رجل مؤمن من قوم شعيب لبعد المسافة الزمنية بين شعيبعليه السلام وبين موسى عليه السلام وهذا هو الراجح.

    (( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ))


    فأُعجب الشيخ برأي ابنته،

    وعاد الشيخ لموسى وقال له:

    أريد يا موسى أن أزوجك إحدى ابنتي على أن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات،
    فإن أتممت عشر سنوات، فمن كرمك، لا أريد أن أتعبك، (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)

    )) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ

    وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
    ))

    وبذلك شرط عليه أن يكون مهر ابنته أن يخدمه ثماني سنين،
    فإن زادها إلى عشر سنين فهي زيادة غير مفروضة.

    فوافق موسى، ونجز العقد مع الشيخ،

    فقال: " ذلك بيني وبينك أيَّما الأجلين قضيتُ فلا عدوان عليّ والله على ما نقول وكيل ".

    وتمت المصاهرة بينهما،

    قالوا: واسم ابنة الشيخ التي صارت زوجاً لموسى "صفورة".
    لبث موسى عند صهره الشيخ في مدين يخدمه حسب الشرط، وقضى في خدمته أوفى الأجلين وهو عشر سنين.
    وقد ولدت له امرأته "صفورة" في مدين ولداً سماه "جرشوم" ومعناه غريب المولد.

    وهكذا عاش موسى يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.
    وكان عمل موسى ينحصر في الخروج مع الفجر كل يوم لرعي الأغنام والسقاية لها.


    خرج موسى مع أهله وسار. اختفى القمر وراء أسراب من السحاب الكثيف وساد الظلام.
    اشتد البرق والرعد وأمطرت السماء وزادت حدة البرد والظلام. وتاه موسى أثناء سيره.
    ووقف موسى حائرا يرتعش من البرد وسط أهله.. ثم رفع رأسه فشاهد نارا عظيمة تشتعل عن بعد.
    امتلأ قلبه بالفرح فجأة.
    قال لأهله: أني رأيت نارا هناك.

    أمرهم أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب إلى النار لعله يأتيهم منها بخبر،
    أو يجد أحدا يسأله عن الطريق فيهتدي إليه، أو يحضر إليهم بعض أخشابها المشتعلة لتدفئتهم.

    وتحرك موسى نحو النار. سار موسى مسرعا ليدفئ نفسه. يده اليمنى تمسك عصاه. جسده مبلل من المطر.

    ظل يسير حتى وصل إلى واد يسمونه طوى.

    لاحظ شيئا غريبا في هذا الوادي. لم يكن هناك برد ولا رياح.

    ثمة صمت عظيم ساكن.
    واقترب موسى من النار.

    لم يكد يقترب منها حتى نودي:

    (( أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).

    نظر موسى في النار فوجد شجرة خضراء. كلما زاد تأجج النار زادت خضرة الشجرة.
    والمفروض أن تتحول الشجرة إلى اللون الأسود وهي تحترق.
    لكن النار تزيد واللون الأخضر يزيد.
    كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه،

    وكان الوادي الذي يقف فيه هو وادي طوى.

    ثم ارتجت الأرض بالخشوع والرهبة

    والله عز وجل ينادي: يَا مُوسَى

    فأجاب موسى: نعم.

    قال الله عز وجل: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ

    ازداد ارتعاش موسى وقال: نعم يا رب.

    قال الله عز وجل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

    انحنى موسى راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.

    عاد الحق سبحانه وتعالى يقول:

    (( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)

    إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) ))(طه)

    زاد انتفاض جسد موسى وهو يتلقى الوحي الإلهي ويستمع إلى ربه وهو يخاطبه.

    قال الرحمن الرحيم( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ))

    ازدادت دهشة موسى.

    إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخاطبه، والله يعرف أكثر منه أنه يمسك عصاه.

    لماذا يسأله الله إذن إذا كان يعرف أكثر منه؟! لا شك أن هناك حكمة عليا لذلك.

    أجاب موسى: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى

    قال الله عز وجل: أَلْقِهَا يَا مُوسَى

    رمى موسى العصا من يده وقد زادت دهشته.

    وفوجئ بأن العصا تتحول فجأة إلى ثعبان عظيم الحجم هائل الجسم.

    وراح الثعبان يتحرك بسرعة.

    ولم يستطع موسى أن يقاوم خوفه.

    أحس أن بدنه يتزلزل من الخوف.

    فاستدار موسى فزعا وبدأ يجري.

    لم يكد يجري خطوتين حتى ناداه الله:

    (( يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)).

    عاد موسى يستدير ويقف.

    لم تزل العصا تتحرك.

    لم تزل الحية تتحرك.

    قال الله سبحانه وتعالى لموسى:


    (( خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى))

    مد موسى يده للحية وهو يرتعش. لم يكد يلمسها حتى تحولت في يده إلى عصا.


    عاد الأمر الإلهي يصدر له:

    (( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ))

    وضع موسى يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تتلألأ كالقمر.

    زاد انفعال موسى بما يحدث، وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..

    اطمأن موسى وسكت.

    وأصدر الله إليه أمرا بعد هاتين المعجزتين

    -معجزة العصا و معجزة اليد-

    أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى الله برفق ولين، ويأمره أن يخرج بني إسرائيل من مصر.


    وأبدى موسى خوفه من فرعون. قال إنه قتل منهم نفسا ويخاف أن يقتلوه.


    (( قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ *

    وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ))

    ثم توسل إلى الله أن يرسل معه أخاه هارون.

    ليكون له ردءاً، وأثنى موسى على أخيه بين يدي ربه بأنه أفصح منه لساناً

    فقال له
    الله عز وجل:

    )) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ))

    طمأن الله موسى أنه سيكون معهما يسمع ويرى، وأن فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء. أفهم الله موسى أنه هو الغالب. ودعا موسى وابتهل إلى الله أن يشرح له صدره وييسر أمره ويمنحه القدرة على الدعوة إليه. ثم قفل موسى راجعا لأهله بعد اصطفاء الله واختياره رسولا إلى فرعون. انحدر موسى بأهله قاصدا مصر.

    يعلم الله وحده أي أفكار عبرت ذهن موسى وهو يحث خطاه قاصدا مصر.
    وها هو ذا موسى يحمل أمانة الحق ويمضي ليواجه بها بطش أعظم جبابرة عصره وأعتاهم.
    يعلم موسى أن فرعون مصر طاغية.
    يعلم أنه لن يسلمه بني إسرائيل بغير صراع.
    يعلم أنه سيقف من دعوته موقف الإنكار والكبرياء والتجاهل.
    لقد أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون. وأن يدعوه بلين ورفق إلى الله.
    أوحى الله لموسى أن فرعون لن يؤمن. ليدعه موسى وشأنه.
    وليركز على إطلاق سراح بني إسرائيل والكف عن تعذيبهم.
    قال تعالى لموسى وهارون:
    (( فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ))
    . هذه هي المهمة المحددة. وهي مهمة سوف تصطدم بآلاف العقبات.
    إن فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم ويكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به، ويستحيي نسائهم، ويذبح أبنائهم، ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملك مصر.
    يعلم موسى أن النظام المصري يقوم في بنيانه الأساسي على استعباد بني إسرائيل واستغلال عملهم وجهدهم وطاقاتهم في الدولة،

    ذهبت به الأفكار وجاءت،
    فاختصرت مشقة الطريق.
    ورفع الستار عن مشهد المواجهة
    .



    الصور المرفقة الصور المرفقة

  9. #29



    الجزء الثالث

    رسالة موسى عليه السلام لفرعون


    قال تعالى:


    "طسم {28/1} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ {28/2} نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {28/3}

    إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي

    الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ

    وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
    {28/4} وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ

    اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ

    وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ"
    سورة القصص.

    حمل موسى الرسالة، ودخل
    مصر ومعه المعجزات،

    ذهب موسى إلى منزل أخيه هارون في مصر، وأخبره بما أمره الله به،

    فوافقه هارون على ذلك،

    ويأتي الأمر الإلهي إلى موسى وأخيه عليهما السلام لإنفاذ هذه المهمة وأداء هذا المطلب العظيم

    قال تعالى :

    (( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى))



    إنه مشهد اللقاء الأول بين الحق والباطل،

    وبين الإيمان والكفر،

    مشهد اللقاء الأول بين الدعوة إلى رب العالمين،

    وبين الطاغوت الذي يدعي ويزاول الربوبية من دون رب العالمين
    !

    وذهب إلى قصر فرعون، وقابل
    فرعون ومعه أخيه هارون ليكون دعما له وسندا وكان من أمرهما المواجهة والحروب

    ولما دخل موسى على فرعون أطلق الله لسانه، فأخبره أنه رسول من الله إليه يدعوه إلى الإيمان بالله.

    وأن يرسل معهم بني اسرائيل .

    ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ *))

    عرفه فرعون وقال له بأنه رباه عندما كان صغيرًا،
    ورغم ذلك تمردت علينا، وقتلت رجلًا مصريًا؛
    فرد عليه موسى، أنه ندم على فعلته وتاب الله عليه،
    وأنه الآن جاء بمعجزات من الله، يدعوهم للإيمان به.

    قال فرعون منكراً وجاحداً:

    ( وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ )
    فأنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات وكان له آية في كل شيء من المخلوقات ،

    فأجابه موسى :

    (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)

    فقال فرعون لمن حوله ساخراً ومستهزئاً بموسى

    (أَلَا تَسْتَمِعُونَ )،

    فذكَّره موسى بأصله وأنه مخلوق من العدم وصائر إلى العدم كما عُدم آباؤه الأولون

    فقال موسى {:

    (( قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ))

    وحينئذ بهت فرعون فادَّعى دعوى المكابر المغبون فقال :

    ((إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ))

    فطعن بالرسل والمرسِلون ،

    فردَّ عليه موسى ذلك وبيَّن له أن الجنون إنما هو إنكار الخالق العظيم


    فقال :

    (( قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * )) *

    إن كنت يا موسى نبيّاً من الله هاتِ لنا برهاناً حتى نصدِّقك،

    فرمى موسى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مُبين،

    (( فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ))

    إنها المفاجأة، إن العصا تنقلب ثعبانًا لا شك في ثعبانيته
    : ﴿ مُبين ﴾.






    وضم يده إلى جناحه وأخرجها فإذا هي بيضاء من غير سوء،

    وقد كان موسى عليه السلام «آدم»؛ أي: مائلًا إلى السمرة - يخرجها من جيبه،

    فإذا هي بيضاء من غير سوء، بيضاء ليست عن مرض، ولكنها المعجزة،

    فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء!

    هذه هي البينة والآية على الدعوى التي جاء بها موسى،

    إني رسول من رب العالمين
    .

    عندها قال فرعون لمن حوله: ما هذا إلا ساحر يريد أن يُخرجكم من أرضكم ويفسد عليكم دين آبائكم،


    ومع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة, قامو باتهام موسى بأنه ساحر عليم:


    ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * ﴾

    وأمر بجمع السَّحرة الموجودين في أرض مصر،

    وقال لموسى: دعنا نتَّفق على يومٍ يكون به النِّزال،

    فاختار موسى عليه السلام يوم الزِّينة، وكان هذا يوم عيد في مصر القديمة.


    لقد جاء موسى - عليه السلام - بهذه الحقيقة التي جاء بها كل رسول قبله،

    حقيقة ربوبية الله الواحد للعالمين جميعًا، ألوهية واحدة وعبودية شاملة
    .

    ولقد واجه موسى - عليه السلام - فرعون وملأه بهذه الحقيقة الواحدة التي واجه بها كل نبي

    - قبله أو بعده - عقائد الجاهلية الفاسدة،

    واجهه بها وهو يعلم أنها تعني الثورة على فرعون وملئه، ودولته ونظام حكمه
    .

    وباسم تلك الحقيقة الكبيرة، حقيقة الربوبية الشاملة للعالمين، طلب موسى من فرعون أن يطلق معه بني إسرائيل،

    وإذ كان فرعون إنما يعبِّد بني إسرائيل لهواه، فقد أعلن له موسى أن رب العالمين هو الله،

    وإعلان هذه الحقيقة ينهي شرعية ما يزاوله فرعون من تعبيد بني إسرائيل
    !



    إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان، تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله .

    وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد،

    وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر، ففي الوثنيات كلها تقريبًا يقترن الدين بالسحر،

    ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة!

    وقد استقر رأي الملأ من قوم فرعون على أن يرجئ فرعون موسى إلى الموعد،

    وأرسل فرعون في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة؛

    ذلك ليواجهوا «سحر موسى» - بزعمهم - بسحر مثله، فجمع السحرة من المدائن، يحترفون السحر كما يحترفون الكهانة
    !

    وتبادل وإياهم الصفقة، أن يعطيهم المال ويجعلهم من المقربين!

    ولقد أكد لهم فرعون أنهم مأجورون على حرفتهم، ووعدهم مع الأجر القربى منه؛ زيادة في الإغراء، وتشجيعًا على بذل غاية الجهد.


    (( قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ *

    يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا

    إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ *

    قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * ))



    وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والبراعة والتضليل،

    إنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة القاهرة التي لا يقف لها الساحرون ولا المتجبرون!

    ولقد اطمأن السحرة على الأجر،

    واشرأبت أعناقهم إلى القربى من فرعون،

    واستعدوا للحلبة،


    وجاء اليوم الموعود ,

    وفي ساحة المواجهة.

    والناس مجتمعون، وفرعون ينظر.

    حضر موسى وأخاه هارون عليهما السلام،

    وحضر السحرة

    ها هم سحرة فرعون يتوجهون إلى موسى - عليه السلام - بالتحدي،

    وفي أيديهم كل ما أتقنوه من ألعاب وحيل، وكلهم ثقة بفوزهم في هذا التحدي.

    لذا بدءوا بتخيير موسى


    ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا.


    ويبدو التحدي واضحًا في تخييرهم لموسى، وتبدو كذلك ثقتهم بسحرهم وقدرتهم على الغلبة،

    وفي الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى - عليه السلام -

    واستهانته بالتحدي:

    {قالَ أَلْقُوا}،

    فهذه الكلمة الواحدة تبدو فيها قلة المبالاة،

    وتلقي ظل الثقة الكامنة وراءها في نفس موسى

    ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ.





    بينما نحن في ظلال الاستهانة وعدم المبالاة،

    إذا بنا أمام مظهر السحر البارع الذي يرهب ويخيف
    :

    فوجئ به موسى - عليه السلام وحسبنا أن يقرر القرآن أنه سحر عظيم؛

    لندرك أي سحر كان،

    وحسبنا أن نعلم أنهم سحروا
    «أعين الناس»،

    وأثاروا الرهبة في قلوبهم،
    «واسترهبوهم»

    لنتصور أي سحر كان، ولفظ «استرهب» ذاته لفظ مصور
    .

    فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس، وقسروهم عليه قسرًا، ثم حسبنا أن

    نعلم من النص القرآني الآخر في سورة طه أن موسى عليه السلام

    قد أوجس في نفسه خيفة، لنتصور حقيقة ما كان
    !

    قال تعالى :

    (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ))

    ألقى موسى عصاه وهنا مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه، وتطالع السحرة الكهنة،

    وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهِدت ذلك السحر العظيم


    ((فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * ))



    إنه الباطل ينتفش، ويسحر العيون، ويسترهب القلوب،

    ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب، وأنه جارف، وأنه مُحق!

    وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق

    «فوقع الحق»، وثبت، واستقر،

    «وبطل ما كانوا يعملون»،

    فغلبوا أصحاب الباطل والمبطلون، وذلوا، وصغروا،

    وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون،

    «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ»،

    ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾.


    هنا المفاجأة لم تختم بعد، والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى، مفاجأة كبرى

    وهو تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق

    فألقي السحرة ساجدين وأعلنوا بإيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون

    فالسحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنِّهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه،

    وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر،

    أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر، والعالم في فنِّه هو أكثر الناس استعدادًا للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له؛

    لأنه أقرب إدراكًا لهذه الحقيقة،



    فوجئ فرعون بهذا الإيمان المفاجئ الذي لم يدرك دبيبه في القلوب، فهذا الطاغي المتجر لا يدرك كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر،

    ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان، ولا كيف تلمسها حرارة اليقين،

    فهو لطول ما استعبد الناس يحسب بأنهم ملك له هو هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته مفاجأة استسلام السحرة -

    وهم من كهنة المعابد بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون وكل جريمة يمكن أن

    يرتكبوها بلا تحرُّج في سبيل المحافظة على الطاغوت،


    قال لهم فرعون هكذا أمنتم به قبل أن أذن لكم

    ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾،

    كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق -

    وهم أنفسهم لا سلطان لهم عليها


    فزع المتعجرف المتكبر المغرور!

    على العرش المهدد والسلطان المهزوز

    : ﴿ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها.

    وفي نص آخر:

    ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر ﴾،

    وهكذا أطلق فرعون ذلك التوعد الوحشي الفظيع: إنه التعذيب والتشويه والتنكيل،

    وسيلة الطواغيت

    في مواجهة الحق الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان، وعدة الباطل في وجه الحق الصريح
    .

    ويظل الطاغية يتهدد

    (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)

    ويتوعد


    (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)

    ﴿ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾،

    إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع، كما أنه لا يخضع أو يخنع،

    الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها، ويستيقن من الرجعة إلى ربه،

    فيطمئن إلى جواره
    :

    ﴿ قالُوا: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ﴾.

    والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت، وأنها معركة العقيدة في الصميم،

    لا يداهن ولا يناور، ولا يرجو الصفح والعفو من عدوٍّ لن يقبل منه إلا ترك العقيدة؛

    ويعلن السحرة حقيقة المعركة

    (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا)

    فلا يطلبون الصفح والعفو من عدوّهم، إنما يطلبون الثبات والصبر من ربهم

    (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين).

    فيقف الطغيان عاجزا أما هذا الوعي وهذا الاطمئنان.

    عاجزا عن رد هؤلاء المؤمنين لطريق الباطل من جديد.

    فينفذ فرعون الطاغي تهديده،

    ويصلبهم على جذوع النخل.


    ******
    ****
    **
    *

    الصور المرفقة الصور المرفقة

  10. #30


    الجزء الرابع من قصة سيدنا موسى كليم الله



    تبدأ جولة جديدة بين الحق والباطل. فهاهم أتباع فرعون من المصريين،

    يتآمرون ويحرضون فرعون ويهيجونه على موسى ومن آمن معه،

    ويخوّفونه من عاقبة التهاون معهم.

    وهم يرون الدعوة إلى ربوبية الله وحدة إفسادا في الأرض.

    حيث يترتب عليها بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله.

    وقد كان فرعون يستمد قوته من ديانتهم الباطلة،

    حيث كان فرعون ابن الآلهة.

    وإن عبد موسى ومن معه الله رب العالمين، لن تكون لفرعون أي سطوة عليهم.

    فاستثارت هذه الكلمات فرعون،

    وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله ففكر بوحشيته المعتادة وقرر

    (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).


    لم يكن هذا التنكيل الوحشي جديدا على بني إسرائيل. فقد نُفِّذ عليهم هذا الحكم في إبان مولد موسى عليه السلام.
    فبدأ موسى -عليه السلام- يوصي قومه باحتمال الفتنة،
    والصبر على البلية، والاستعانة بالله عليها.
    وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده.
    والعاقبة لمن يتقي الله ولا يخشى أحدا سواه

    (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

    إلا أن قومه بدءوا يشتكون من العذاب الذي حل بهم

    (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)

    إنها كلمات ذات ظل!
    وإنها لتشي بما وراءها من تبرم!
    أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك.
    وطال هذا الأذى حتى ما تبدو له نهاية!

    فيمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به،
    ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم.
    واستخلافهم في الأرض.

    مع التحذير من فتنة الاستخلاف، فاستخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم،

    فهو استخلاف للامتحان:

    (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).

    وضل موسى يأمرهم بالتوكل على الله، والاستعانة به، والالتجاء إليه،
    فأتمروا بذلك ليجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجًا ومخرجًا.

    (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )).

    أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام، أن يتخذوا لقومهما بيوتًا متميزة،
    فيما بينهم عن بيوت القبط، ليكونوا على أهبة في الرحيل إذا أمروا به،
    ليعرف بعضهم بيوت بعض.

    وقوله: { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً }:

    قيل: مساجد.

    أما حال مصر في تلك الفترة. فلقد مضى فرعون في تهديده، فقتل الرجال واستحيا النساء.
    وظل موسى وقومه يحتملون العذاب، ويرجون فرج الله، ويصبرون على الابتلاء.
    وظل فرعون في ظلاله وتحدّيه.

    فتدخلت قوة الله سبحانه وتعالى، وشاء الله تعالى أن يشدد على آل فرعون.
    ابتلاءً لهم وتخويفا، ولكي يصرفهم عن الكيد لموسى ومن آمن معه،
    وإثباتا لنبوة موسى وصدقه في الوقت نفسه.

    وهكذا سلط على المصريين أعوام الجدب.
    أجدبت الأرض وشح النيل ونقصت الثمار وجاع الناس، واشتد القحط.
    لكن آل فرعون لم يدركوا العلاقة بين كفرهم وفسقهم وبين بغيهم وظلمهم لعباد الله.
    فأخذوا يعللون الأسباب. فعندما تصيبهم حسنة، يقولون إنها من حسن حظهم وأنهم يستحقونها.
    وإن أصابتهم سيئة قالوا هي من شؤم موسى ومن معه عليهم، وأنها من تحت رأسهم!

    وأخذتهم العزة بالإثم فاعتقدوا أن سحر موسى هو المسئول عما أصابهم من قحط.
    وصور لهم حمقهم أن هذا الجدب الذي أصاب أرضهم،
    آية جاء بها موسى ليسحرهم بها، وهي آية لن يؤمنوا بها مهما حدث.


    قال تعالى: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَآيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (.

    فشدد الله عليهم لعلهم يرجعون إلى الله، ويطلقون بني إسرائيل ويرسلونهم معه.
    فأرسل عليهم الطوفان، والجراد، والقمل -وهو السوس- والضفادع، والدم.
    وتذكر بعض الروايات أنها جاءت متتالية وحدة تلو الأخرى.
    إلا أن المهم هو طلب آل فرعون من موسى أن يدعو لهم ربه لينقذهم من هذا البلاء.
    وبعدونه في كل مرة أن يرسلوا بني إسرائيل إذا أنجاهم ورفع عنهم هذا البلاء

    (قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ).

    فكان موسى -عليه السلام- يدعو الله بأن يكشف عنهم العذاب.
    وما أن ينكشف البلاء حتى ينقضون عهدهم، ويعودون إلى ما كانوا فيه

    (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ).

    لم يهتد المصريون، ولم يوفوا بعهودهم، بل على العكس من ذلك.

    خرج فرعون لقومه، وأعلن أنه إله.
    أليس له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته،
    أعلن أن موسى ساحر كذاب.
    ورجل فقير لا يرتدي أسورة واحدة من الذهب.

    ويعبّر القرآن الكريم عن أمر فرعون وقومه:

    (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ).

    استخف بعقولهم. واستخف بحريتهم.
    واستخف بمستقبلهم. واستخف بآدميتهم.
    فأطاعوه.

    أليست هذه طاعة غريبة.
    تنمحي الغرابة حين نعلم أنهم كانوا قوما فاسقين.
    إن الفسق يصرف الإنسان عن الالتفات لمستقبله ومصالحه وأموره، ويورده الهلاك.
    وذلك ما وقع لقوم فرعون.


    وينقلنا القرآن الكريم إلى فصل آخر من قصة موسى عليه السلام.
    ومشهد آخر من مشاهد المواجهة بين الحق والباطل.

    حيث يحكي لنا قصة تشاور فرعون مع الملأ في قتل موسى.

    (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)

    أما موسى عليه السلام فالتجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين،
    ولاذ بحامي اللائذين، ومجير المستجيرين

    (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ).

    عذت بالله، ولجأت إليه بجنابه،

    من أن يسطو فرعون وغيره على بسوء‏.‏

    وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ‏}

    أي‏:‏ جبار عنيد، لا يرعوي ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه،
    لأنه لا يعتقد معاداً ولا جزاء،

    ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ‏}‏

    كادت فكرة فرعون أن تحصل على التصديق لولا رجل من آل فرعون. رجل من رجال الدولة الكبار،

    تحدث هذا الرجل المؤمن، وكان (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، تحدث في الاجتماع الذي طرحت فيه فكرة قتل موسى وأثبت عقم الفكرة وسطحيتها.
    قال إن موسى لم يقل أكثر من أن الله ربه، وجاء بعد ذلك بالأدلة الواضحة على كونه رسولا،
    وهناك احتمالان لا ثالث لهما:
    أن يكون موسى كاذبا، أو يكون صادقا،
    فإذا كان كاذبا (فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وهو لم يقل ولم يفعل ما يستوجب قتله.
    وإذا كان صادقا وقتلناه، فما هو الضمان من نجاتنا من العذاب الذي يعدنا به؟

    {‏وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ

    وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ *

    يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا

    قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ‏}‏



    وهذا الرجل هو ابن عم فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه، خوفاً منهم على نفسه‏.‏

    وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيلياً، وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى، والله أعلم‏.‏

    قال ابن جريج‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا، والذي جاء من أقصى المدينة، وامرأة فرعون‏.‏

    تحدث المؤمن الذي يكتم إيمانه فقال لقومه:

    إننا اليوم في مراكز الحكم والقوة. من ينصرنا من بأس الله إذا جاء؟
    ومن ينقذنا من عقوبته إذا حلت؟ إن إسرافنا وكذبنا قد يضيعاننا.

    وبدت كلماته مقنعة.
    إنه رجل ليس متهما في ولائه لفرعون. وهو ليس من أتباع موسى.
    والمفروض أنه يتكلم بدافع الحرص على عرش الفرعون.
    ولا شيء يسقط العروش كالكذب والإسراف وقتل الأبرياء.

    ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها.
    بالنسبة إلى فرعون ووزرائه ورجاله.

    ورغم أن فرعون وجد فكرته في قتل موسى، صريعة على المائدة. رغم تخويف الرجل المؤمن لفرعون.
    رغم ذلك قال الفرعون كلمته التاريخية التي ذهبت مثلا بعده لكل الطغاة:

    (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

    هذه كلمة الطغاة دائما حين يواجهون شعوبهم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى).
    هذا رأينا الخاص، وهو رأي يهديكم سبيل الرشاد. وكل رأي غيره خاطئ. وينبغي الوقوف ضده واستئصاله.

    لم تتوقف المناقشة عند هذا الحد. قال فرعون كلمته ولكنه لم يقنع بها الرجل المؤمن.
    وعاد الرجل المؤمن يتحدث وأحضر لهم أدلة من التاريخ، أدلة كافية على صدق موسى.
    وحذّرهم من المساس به. وذكرهم بمن سبقتهم أمم كفرت برسلها، فأهلكها الله:
    قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود.

    ثم ذكّرهم بتاريخ مصر نفسه. ذكّرهم بيوسف عليه السلام حين جاء بالبينات، فشك فيه الناس ثم آمنوا به بعد أن كادت النجاة تفلت منهم



    فرعون الذي نسي أنه كان نطفة مذرة. هذا المتكبر...

    بكل ما يملكه من مال وجنود وعبيد...


    تحداه إثنين من اهل بيته ماشطة إبنته و أقرب الناس إليه وهي زوجته ..

    الماشطة التي قالت له متحدية: ربي وربك الله نتيجة لذلك التحدي قذفها في النار هي وأولادها.

    فقد كانت ما شطة إبنته امرأة صالحة تعيش هي وزوجها.. في ظل ملك فرعون..

    زوجها مقرب من فرعون.. وهي خادمة ومربية لبنات فرعون..

    فمن الله عليهما بالإيمان.. فلم يلبث زوجها بإيمانه إلا أن علم فرعون بإيمانه فقتله..

    فلم تزل الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط بنات فرعون.. وتنفق على أولادها الخمسة..

    تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها..

    فبينما هي تمشط ابنة فرعون يوماً.. إذ وقع المشط من يدها..

    فقالت: بسم الله..
    فقالت ابنة فرعون: الله.. أبي؟

    فصاحت الماشطة بابنة فرعون:

    كلا.. بل الله.. ربي.. وربُّك.. وربُّ أبيك..

    فتعجبت البنت أن يُعبد غير أبيها.. ثم أخبرت أباها بذلك..

    فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره.. فدعا بها..

    وقال لها: من ربك ؟

    قالت : ربي وربك الله..

    فأمرها بالرجوع عن دينها.. وحبسها.. وضربها.. فلم ترجع عن دينها..

    فأمر فرعون بقدر من نحاس فملئت بالزيت.. ثم أحمي.. حتى غلا.. وأوقفها أمام القدر..

    فلما رأت العذاب.. أيقنت أنما هي نفس واحدة تخرج وتلقى الله تعالى..

    فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة.. الأيتام الذين تكدح لهم.. وتطعمهم..

    فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة..

    تدور أعينهم.. ولا يدرون إلى أين يساقون..

    فلما رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون.. فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي..

    وأخذت أصغرهم وضمته إلى صدرها..

    فلما رأى فرعون هذا المنظر..

    أمر بأكبرهم.. فجره الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي..

    والغلام يصيح بأمه ويستغيث.. ويسترحم الجنود.. ويتوسل إلى فرعون..

    ويحاول الفكاك والهرب.. وينادي إخوته الصغار..

    ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين.. وهم يصفعونه ويدفعونه..

    وأمه تنظر إليه.. وتودّعه..

    فما هي إلا لحظات.. حتى ألقي الصغير في الزيت..

    والأم تبكي وتنظر.. وإخوته يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة..

    حتى إذا ذاب لحمه من على جسمه النحيل.. وطفحت عظامه بيضاء فوق الزيت..

    نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله.. فأبت عليه ذلك..

    فغضب فرعون.. وأمر بولدها الثاني.. فسحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث..

    فما هي إلا لحظات حتى ألقي في الزيت.. وهي تنظر إليه..

    حتى طفحت عظامه بيضاء واختلطت بعظام أخيه.. والأم ثابتة على دينها..موقنة بلقاء ربها..

    ثم أمر فرعون بالولد الثالث فسحب وقرب إلى القدر المغلي ثم حمل وغيب في الزيت..

    وفعل به ما فعل بأخويه.. والأم ثابتة على دينها..

    فأمر فرعون أن يطرح الرابع في الزيت..

    فأقبل الجنود إليه.. وكان صغيراً قد تعلق بثوب أمه..

    فلما جذبه الجنود.. بكى وانطرح على قدمي أمه.. ودموعه تجري على رجليها..

    وهي تحاول أن تحمله مع أخيه.. تحاول أن تودعه وتقبله وتشمه قبل أن يفارقها..

    فحالوا بينه وبينها.. وحملوه من يديه الصغيرتين.. وهو يبكي ويستغيث..

    ويتوسل بكلمات غير مفهومة.. وهم لا يرحمونه..

    وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي..

    وغاب الجسد.. وانقطع الصوت.. وشمت الأم رائحة اللحم..

    وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها..

    تنظر الأم إلى عظامه.. وقد رحل عنها إلى دار أخرى.. وهي تبكي.. وتتقطع لفراقه..

    طالما ضمته إلى صدرها... طالما سهرت لسهره.. وبكت لبكائه.. كم ليلة بات في حجرها..

    ولعب بشعرها.. كم قربت منه ألعابه.. وألبسته ثيابه..

    فجاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك.. فالتفتوا إليها.. وتدافعوا عليها.. الطفل الرضيع..

    وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها...

    . فلما انتزع منها.. صرخ الصغير.. وبكت المسكينة..

    فلما رأى الله تعالى ذلها وانكسارها وفجيعتها بولدها..

    أنطق الصبي في مهده وقال لها:

    يا أماه اصبري فإنك على الحق.. ثم انقطع صوته عنها..

    وغيِّب في القدر مع إخوته.. ألقي في الزيت... وفي يده شعرة من شعرها..

    وعلى أثوابه بقية من دمعها.. وذهب الأولاد الخمسة..

    وهاهي عظامهم يلوح بها القدر.. ولحمهم يفور به الزيت.. تنظر المسكينة..

    إلى هذه العظام الصغيرة..

    عظام من؟ إنهم أولادها..

    الذين طالما ملئوا عليها البيت ضحكاً وسرورا.. إنهم فلذات كبدها.. وعصارة قلبها..

    الذين لما فارقوها.. كأن قلبها أخرج من صدرها.. طالما ركضوا إليها.. وارتموا بين يديها..

    وضمتهم إلى صدرها.. وألبستهم ثيابهم بيدها.. ومسحت دموعهم بأصابعها..

    ثم هاهم إنتزعون من بين يديها.. وقتلون أمام ناظريها..

    وتركوها وحيدة..



    آآه من قوة إيمانها وآآه من قوة صبرها ,,
    كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب..


    بكلمة كفر تسمعها لفرعون..

    لكنها علمت أن ما عند الله خير وأبقى..

    ثم.. لما لم يبق إلا هي.. أقبلوا إليها كالكلاب الضارية..

    ودفعوها إلى القدر..

    فلما حملوها ليقذفوها في الزيت.. نظرت إلى عظام أولادها..

    فتذكرت اجتماعها معهم في الحياة..

    فالتفتت إلى فرعون
    وقالت: لي إليك حاجة..

    فصاح بها وقال: ما حاجتك ؟

    فقالت: أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد..

    ثم أغمضت عينيها.. وألقيت في القدر.. واحترق جسدها.. وطفت عظامها..


    فلله درها.. ما أعظم ثباتها.. وأكثر ثوابها..
    ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئاً من نعيمها..


    فحدّث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي:

    «لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، قلت: ما هذه الرائحة ؟ فقيل لي: هذه ماشطة بنت فرعون وأولادُها»..

    الله أكبر تعبت قليلاً.. لكنها استراحت كثيراً..
    مضت هذه المرأة المؤمنة إلى خالقها.. وجاورت ربها


    فلم ترض زوجة فرعون " آسية "... لما فعل بالماشطة وأبناءها ..

    لأنها أختها في الله والأخوة في الله... تنعدم فيها الطبقية بين الحرة والعبدة وبين الرئيس والمرؤوس.

    تحدته زوجته " آسية بنت مزاحم " وهي إحدى أربع نساء هن سيدات نساء العالمين
    آسية التي آمنت برب العالمين...

    جاءت إلى زوجها المتكبر عندما قتل الماشطة التي كانت تمشط ابنتها…

    فأرادت أن تنتصر لأختها في الله فقالت لزوجها فرعون عندما أخبرها عن أمر الماشطة.

    قالت له: " الويل لك ما أجرأك على الله "

    فقال لها: " لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة؟

    " فقالت: ما بي من جنون ولكني آمنت بالله تعالى ورب العالمين.

    وبعد ذلك... دعا فرعون أمها...

    قال لها: " إن ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة.

    فأقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى، فخلت بها أمها...

    وأرادتها أن توافق فرعون،

    ولكنها أبت وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله.

    وهذا هو التحدي... تحدي الواقع بكل ما يملك من قوة وجبروت

    وعندما رأى فرعون تمسكها بدينها وإيمانها خرج على الملأ من قومه

    فقال لهم: "ما تعلمون من آسية بنت مزاحم "؟....

    .. فأثنى عليها القوم.....

    فقال: إنها تعبد رباً غيري

    فقالوا: " أقتلها "

    (( أخوتي بالله... أسمعتم قول بطانة السوء... !!

    لقد قالوا: اقتلها،

    وقبل ثوان كانوا قد أثنوا عليها بخير...

    سبحان الله من هذه البطانة الممتدة عبر التاريخ!! ))

    ومن ثم نادى فرعون زبانيته...

    وأوتدوا لها أوتاداً وشدوا يديها ورجليها ووضعوها في الحر اللاهب...

    تحت أشعة الشمس المحرقة ووضعوا على ظهرها صخرة كبيرة

    لقد كانت متنعمة بالفرش الوثير وشتى أنواع الطعام...

    والمقام الكريم.

    والآن تضرب بالأوتاد تحت أشعة الشمس وعلى ظهرها صخرة كبيرة.

    وليت فرعون وقف عند ذلك...

    إنما قال لزبانيته:

    " انظروا أعظم صخرة فألقوها.

    فإن رجعت عن قولها فهي امرأتي، وأخذ يتلذذ بتعذيبها...

    وهذا شأن الطغاة في كل زمان.

    وفي أثناء ذلك... نظرت إلى ما عند الله

    فقالت تدعو الله تعالى :

    { رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }

    فكشف الله عن بصيرتها فأطلعها على مكانها في الجنة

    ففرحت وضحكت وكان فرعون حاضراًً هذا المشهد.

    فقال: ألا تعجبون من جنونها؟

    إنا نعذبها وهي تضحك فقبض الله روحها إلى الجنة رضي الله عنها...

    وألقيت الصخرة عليها.. فلم تجد ألماً لأنها ألقيت على جسد لا روح فيه..

    (( إنها وقفه إيمانية... نجد مدى إشراقة نور الإيمان في قلب هذه المؤمنة.

    امرأة وحيدة... ضعيفة جسدياً... آمنة مطمئنة في قصرها تتحدى واقعاً جاهلياً يرأسه زوجها))

    لقد كانت نظرتها نظرة متعدية... تعدت القصر... تعدت الفرش الوثيرة... تعدت الحياة
    الرغيدة... تعدت الجواري... العبيد... الخدم لذلك كانت تستحق أن يذكرها رب العالمين في
    كتابه المكنون.

    ويضعها مثالاً للذين آمنوا وذلك عندما قال تعالى:

    { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }




    لما تمادى قبط مصر على كفرهم ، وعتوهم ، وعنادهم ، متابعة لملكهم فرعون ،
    ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه ، موسى بن عمران ، عليه السلام ،
    وأقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة
    وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول ،

    وهم مع ذلك لا يرعوون ، ولا ينتهون ، ولا ينزعون ، ولا يرجعون ، ولم يؤمن منهم إلا القليل ,

    وقيل : آمن به طائفة من القبط من قوم فرعون ، والسحرة كلهم ، وجميع شعب بني إسرائيل .

    ويدل على هذا قوله تعالى:

    (( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ))

    في قوله : (( إلا ذرية من قومه ))

    عائد على فرعون لأن السياق يدل عليه .

    وقيل : على موسى; لقربه . والأول أظهر ، كما هو مقرر في " التفسير " .

    وإيمانهم كان خفية; لمخافتهم من فرعون وسطوته ، وجبروته وسلطته ،


    ومن ملئهم أن ينموا عليهم إليه ، فيفتنهم عن دينهم ،

    قال الله تعالى مخبرا عن فرعون ، وكفى بالله شهيدا :

    ((وإن فرعون لعال في الأرض))

    أي; جبار ، عنيد ، مستعل بغير الحق ، وإنه لمن المسرفين أي; في جميع أموره وشئونه وأحواله ،
    ولكنه جرثومة قد حان انجعافها ، وثمرة خبيثة قد آن قطافها ،
    ومهجة ملعونة قد حتم إتلافها .


    وعند ذلك قال موسى :


    (( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ))

    هذه دعوة عظيمة ، دعا بها كليم اللهموسى ، على عدو الله فرعون ,غضبا لله عليه ،
    لتكبره عن اتباع الحق وصده عن سبيل الله ، ومعاندته ، وعتوه ، وتمرده ،
    واستمراره على الباطل ، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي ،
    والبرهان القطعي ،

    فقال : ربنا إنك آتيت فرعون وملأه

    يعني : قومه من القبط ، ومن كان على ملته ، ودان بدينه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك
    أي; وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا ،
    فيحسب الجاهل أنهم على شيءلكون هذه الأموال ، وهذه الزينة من اللباس ، والمراكب الحسنة الهنية ،
    والدور الأنيقة ، والقصور المبنية ، والمآكل الشهية ، والمناظر البهية ، والملك العزيز ، والتمكين ، والجاه العريض ،

    في الدنيا لا الدين ،
    ربنا اطمس على أموالهم . أي; أهلكها .


    :أي اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت .

    وقوله : واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم

    أي; اطبع عليها .

    وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ، ولبراهينه ،



    فاستجاب الله تعالى لها ، وحققها وتقبلها; كما استجاب لنوح في قومه ،

    حيث قال:

    (( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ))

    ولهذا قال تعالى ، مخاطبا لموسى حين دعا على فرعون وملئه ،

    وأمّن أخوه هارون على دعائه ،

    فذكر ذلك منزلة الداعي أيضا:

    قال تعالى :

    (( قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ))



    بعد ذلك أمرهم الله تعالى أن يستأذنو بنو إسرائيل فرعون ، في الخروج إلى عيد لهم ،

    فأذن لهم وهو كاره ، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له ،

    وإنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده;

    ليتخلصوا منهم ، ويخرجوا عنهم ،

    فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشام ،

    فلما علم بذهابهم فرعون ،
    حنق عليهم كل الحنق ،
    واشتد غضبه عليهم ،
    وشرع في استحثاث جيشه ،
    وجمع جنوده ليلحقهم ، ويمحقهم ،


    قال الله تعالى :

    (( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعينثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ))



    لما ركب فرعون في جنوده ، طالبا بني إسرائيل ، يقفو أثرهم ،

    كان في جيش كثيف عرمرم ، حتى قيل : كان في خيوله مائة ألف فحل أدهم .

    وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف ، أوستمائة ألف . والله أعلم .

    وقيل : إن بني إسرائيل كانوا نحو ستمائة ألف مقاتل غير الذرية ،

    وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى ، عليه السلام ،

    ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل ، أربعمائة سنة وست وعشرين سنة شمسية .


    ولقاهم فرعون و لحقهم بالجنود ، فأدركهم عند شروق الشمس ،

    وتراءى الجمعان ،
    ولم يبق ثمت ريب ، ولا لبس ،
    وعاين كل من الفريقين صاحبه ،

    وتحققه ورآه ،

    فلم يبق إلا المقاتلة ، والمجاولة ، والمحاماة ،

    فعندها قال أصحاب موسى ،

    وهم خائفون
    : إنا لمدركون

    وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر ،

    فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه ، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه ،

    والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم ، وهي شاهقة منيفة ،

    وفرعون قد غالقهم وواجههم ،

    وعاينوه في جنوده وجيوشه وعدده وعدده ،

    وهم منه في غاية الخوف والذعر ، لما قاسوا في سلطانه من الإهانة والنكر ،

    فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه ، مما قد شاهدوه وعاينوه ،


    فقال لهم الرسول الصادق المصدوق موسى عليه السلام

    (( كلا إن معي ربي سيهدين ))

    وكان في الساقة ، فتقدم إلى المقدمة ، ونظر إلى البحر ، وهو يتلاطم بأمواجه ،

    ويتزايد زبد أجاجه ،

    وهو يقول : هاهنا أمرت

    ومعه أخوه هارون; ويوشع بن نون ، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل ، وعلمائهم ، وعبادهم الكبار ،

    وقد أوحى الله إليه ، وجعله نبيا بعد موسى وهارون عليهما السلام ،

    كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى ،

    ومعهم أيضا مؤمن آل فرعون ، وهم وقوف ،

    وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف .

    ويقال : إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارا في البحر ،

    هل يمكن سلوكه؟ فلا يمكن ،

    ويقول لموسى ، عليه السلام : يا نبي الله أهاهنا أمرت؟

    فيقول : نعم . فلما تفاقم الأمر ، وضاق الحال واشتد الأمر ،

    واقترب فرعون وجنوده في جدهم ، وحدهم وحديدهم ،

    وغضبهم ، وحنقهم ، وزاغت الأبصار ،

    وبلغت القلوب الحناجر ،

    فعند ذلك أوحى الله الحليم العظيم القدير ،

    رب العرش الكريم إلى موسى الكليم:


    (( أن اضرب بعصاك البحر ))


    فلما ضربه انفلق بإذن الله .


    قال الله تعالى:

    (( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ))





    ويقال : إنه انفلق اثني عشرة طريقا ، لكل سبط طريق يسيرون فيه ،

    وهكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة

    عن الذي يقول للشيء : كن . فيكون .

    وأمر الله ريح الدبور فلفحت حال البحر ، فأذهبته حتى صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب .

    قال الله تعالى:

    (( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى ))



    والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال ، بإذن الرب العظيم الشديد المحال ،

    أمر موسى ، عليه السلام ، أن يجوزه ببني إسرائيل ،

    فانحدروا فيه مسرعين ، مستبشرين ، مبادرين ،

    وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ، ويهدي قلوب المؤمنين ،

    فلما جاوزوه ، وجاوزه ، وخرج آخرهم منه ، وانفصلوا عنه ،

    كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ، ووفودهم عليه ،

    فأراد موسى عليه السلام ، أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه;

    لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ، ولا سبيل عليه ،

    فأمره القدير ذو الجلال ، أن يترك البحر على هذه الحال ،

    كما قال ، وهو الصادق في المقال .:

    (( ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني

    عذت بربي وربكم أن ترجمون
    وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم

    جند مغرقون
    كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض

    وما كانوا منظرين
    ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم

    من الآيات ما فيه بلاء مبين
    ))


    فقوله تعالى:

    (( واترك البحر رهوا ))

    أي; ساكنا على هيئته ، لا تغيره عن هذه الصفة .

    فلما تركه على هيئته وحالته ، وانتهى فرعون ، فرأى ما رأى ، وعاين ما عاين ،

    هاله هذا المنظر العظيم وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك ،

    من أن هذا من فعل رب العرش الكريم ، فأحجم ولم يتقدم ،

    وندم في نفسه على خروجه في طلبهم ،

    والحالة هذه ، حيث لا ينفعه الندم ، لكنه أظهر لجنوده تجلدا ،
    وعاملهم معاملة العدا ،

    وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة ، على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه ،

    وعلى باطله تابعوه : انظروا كيف انحسر البحر لي;

    لأدرك عبيدي الآبقين من يدي ، الخارجين عن طاعتي وبلدي؟

    وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم ، ويرجو أن ينجو


    وهيهات ،

    فأصبح يقدم تارة ، ويحجم تارات .

    فذكروا أن جبريل عليه السلام ، تبدى في صورة فارس ،

    راكب على رمكة حائل ، فمر بين يدي فحل فرعون ،

    لعنه الله ، فحمحم إليها ، وأقبل عليها ،

    وأسرع جبريل بين يديه ،

    فاقتحم البحر ، واستبق الجواد ، وقد أجاد فبادر مسرعا ،

    هكذا وفرعون لا يملك من نفسه ولا لنفسه ضرا ولا نفعا ،

    فلما رأته الجنود قد سلك البحر ،

    اقتحموا وراءه مسرعين ،

    فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين ،

    حتى هم أولهم بالخروج منه ، فعند ذلك ،

    أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام فيما أوحاه إليه ،

    أن يضرب البحر بعصاه ،

    فضربه ،

    فارتطم عليهم البحر كما كان ،

    فلم ينج منهم إنسان .



    قال الله تعالى:

    (( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم))



    فأنجا الله أولياءه فلم يغرق منهم أحد ، وأغراق أعداءه ، فلم يخلص منهم أحد ،


    إنها آية عظيمة ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة ،

    وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة ، والمناهج المستقيمة .

    وقال تعالى:

    ((
    وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا

    من المسلمين
    آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ))


    ويخبرنا الله تعالى ، عن كيفية غرق فرعون ،

    زعيم كفرة القبط ،

    أنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة ، وترفعه أخرى ، وبنو إسرائيل ينظرون إليه ،

    وإلى جنوده ،

    ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم ،

    ليكون أقر لأعين بني إسرائيل ،


    وأشفى لنفوسهم ،

    فلما عاين فرعون الهلاك وأحيطت به ، وباشر سكرات موته ،

    أناب حينئذ لله وتاب ، وآمن حين لا ينفع نفسا إيمانها;



    كما قال تعالى:

    (( إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ))


    وقال تعالى: (( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في

    عباده وخسر هنالك الكافرون
    ))


    وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه ، أن يطمس على أموالهم ، ويشدد على قلوبهم ،

    فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أي; حين لا ينفعهم ذلك ، ويكون حسرة عليهم ،

    وقد قال تعالى لهما; أي لموسى وهارون ، حين دعوا بهذا
    : قد أجيبت دعوتكما فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيههارون ،

    عليهما السلام
    .

    وعن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    : لما قال فرعون : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال :

    قال لي جبريل : لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة ورواه الترمذي ،

    وعن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    قال لي جبريل : لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون; مخافة أن تدركه الرحمة

    ورواه الترمذي و ابن جرير ،.

    وقيل عن عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما أغرق الله فرعون أشار بإصبعه ورفع صوته :

    آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل

    قال : فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه ، فجعل يأخذ الحال بجناحيه ،

    فيضرب به وجهه فيرمسه . ورواه ابن جرير ،


    عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    قال لي جبريل : يا محمد ، لو رأيتني ، وأنا أغطه ، وأدس من الحال في فيه ، مخافة أن تدركه رحمة; الله
    فيغفر له

    يعني: فرعون .

    وفي بعض الروايات : إن جبريل قال : ما بغضت أحدا بغضي لفرعون ،

    حين قال : أنا ربكم الأعلى .

    ولقد جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال

    وقوله تعالى : آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين استفهام إنكار ،

    ونص على عدم قبوله تعالى منه; ذلك لأنه ، والله أعلم ، لو رد إلى الدنيا كما كان ،

    لعاد إلى ما كان عليه ، كما أخبر تعالى عن الكفار ، إذا عاينوا النار وشاهدوها ،

    أنهم يقولون : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين .

    قال الله : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون

    وقوله : فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية

    قال ابن عباس وغير واحد : شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون ،

    حتى قال بعضهم : إنه لا يموت . فأمر الله البحر ، فرفعه على مرتفع –

    قيل : على وجه الماء .

    وقيل : على نجوة من الأرض –

    وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه; ليتحققوا بذلك هلاكه ،

    ويعلموا قدرة الله عليه;

    ولهذا قال : فاليوم ننجيك ببدنك

    أي; مصاحبا درعك المعروفة بك لتكون أنت آية لمن خلفك

    أي; من بني إسرائيل ، دليلا على قدرة الله الذي أهلكه .

    ولهذا قرأ بعض السلف : ( لتكون لمن خلقك آية ) .

    ويحتمل أن يكون المراد : ننجيك مصاحبا درعك;

    ليكون درعك علامة لمن
    وراءك من بني إسرائيل ،

    على معرفتك ، وأنك هلكت ، والله أعلم .

    وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء .



    كما قال عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال :

    قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء ،

    فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون
    .

    قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنتم أحق بموسى منهم فصوموا

    وأصل هذا الحديث في " الصحيحين " وغيرهما . والله أعلم
    .


    ********
    ***
    **
    *
    *
    *

    هذه ليست نهاية قصة سيدنا موسى عليه السلام
    بل نهاية فرعون وقومه

    فلنتابع معاً ما تبقى من حياة سيدنا موسى عليه السلام في السلسلة القادمة

    دمتم بود
    الصور المرفقة الصور المرفقة

صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •