صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 49

الموضوع: كل يوم قصة من قصص الأنبياء

  1. #11





    الجزء الثاني

    سيدنا إبراهيم

    مع إبنه إسماعيل وبناء الكعبة


    وكانت سارة زوجة إبراهيم عقيمًا لا تلد وكانت تعلم رغبة إبراهيم وتشوقه لذرية طيبة فوهبت له خادمتها هاجر ليتزوجها لعل الله أن يرزقه منها ذرية صالحة .

    فتزوج إبراهيم عليه السلام هاجر فأنجبت له إسماعيل فسعد به إبراهيم سعادة كبيرة لأنه جاء له بعد شوق شديد وانتظار طويل

    وأمر الله عز وجل إبراهيم أن يأخذ زوجته هاجر وولدها إسماعيل ويهاجر بهما إلى مكة فأخذهما إبراهيم إلى هناك وتوجه إلى الله داعيًا

    (
    رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )


    ترك ابنه وزوجته في مكه ، وطلب من الله أن يؤمن لهم المأكل والمشرب وتركهما ومشى ، وبعد مضي عدة ساعات بدأ ابنها اسماعيل عليه السلام يبكي الجوع والعطش ،و لم يكن بيدها حيلة إلا أن تقوم وتبحث عن الطعام والشراب ، ولكن الله كان بعباده رحيما ، وشق الأرض من تحت قدمي اسماعيل لتنبع بماء زمزم الذي ما زال ينبع حتى اليوم ، وما زالت القبائل تتوافد لتشرب منه .



    وعاد سيدنا إبراهيم إلى زوجته سارة .

    كان إبراهيم جالس لوحده. في هذه اللحظة، هبطت على الأرض أقدام ثلاثة من الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل.

    يتشكلون في صور بشرية من الجمال الخارق. ساروا صامتين. مهمتهم مزودجة.

    1- المرور على إبراهيم وتبشيره.

    2- زيارة قوم لوط ووضع حد لجرائمهم.

    سار الملائكة الثلاثة قليلا. ألقى أحدهم حصاة أمام إبراهيم.

    رفع إبراهيم رأسه.. تأمل وجوههم..... لا يعرف أحدا فيهم.

    بادروه بالتحية. قالوا: سلاما. قال: سلام.

    نهض إبراهيم ورحب بهم. أدخلهم بيته وهو يظن أنهم ضيوف وغرباء. أجلسهم واطمأن أنهم قد اطمأنوا،

    ثم استأذن وخرج. راغ إلى أهله.

    نهضت زوجته سارة حين دخل عليها. كانت عجوزا قد ابيض شعرها ولم يعد يتوهج بالشباب فيها غير وميض الإيمان الذي يطل من عينيها.

    قال إبراهيم لزوجته: زارنا ثلاثة غرباء.

    سألته: من يكونون؟

    قال: لا أعرف أحدا فيهم. وجوه غريبة على المكان.

    لا ريب أنهم من مكان بعيد، غير أن ملابسهم لا تشي بالسفر الطويل. أي طعام جاهز لدينا؟

    قالت: نصف شاة.

    قال وهو يهم بالانصراف: نصف شاة.. اذبحي لهم عجلا سمينا. هم ضيوف وغرباء.

    ليست معهم دواب أو أحمال أو طعام. ربما كانوا جوعى وربما كانوا فقراء.

    اختار إبراهيم عجلا سمينا وأمر بذبحه، فذكروا عليه اسم الله وذبحوه.

    وبدأ شواء العجل على الحجارة الساخنة.

    وأعدت المائدة. ودعا إبراهيم ضيوفه إلى الطعام. أشار إبراهيم بيده أن يتفضلوا باسم الله،

    وبدأ هو يأكل ليشجعهم.

    كان إبراهيم كريما يعرف أن الله لا يتخلى عن الكرماء وربما لم يكن في بيته غير هذا العجل،

    وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد، غير أنه كان سيدا عظيم الكرم.

    راح إبراهيم يأكل ثم استرق النظر إلى ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون.

    لاحظ أن أحدا لا يمد يده إلى الطعام. قرب إليهم الطعام وقال: ألا تأكلون؟ عاد إلى طعامه ثم اختلس إليهم نظرة

    فوجدهم لا يأكلون.. رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام. عندئذ (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً).

    في تقاليد البادية التي عاش فيها إبراهيم، كان معنى امتناع الضيوف عن الأكل أنهم يقصدون شرا بصاحب البيت.

    ولاحظ إبراهيم بينه وبين نفسه أكثر من ملاحظة تؤيد غرابة ضيوفه. لاحظ أنهم دخلوا عليه فجأة.

    لم يرهم إلا وهم عند رأسه. لم يكن معهم دواب تحملهم، لم تكن معهم أحمال. وجوههم غريبة تماما عليه.

    كانوا مسافرين وليس عليهم أثر لتراب السفر. ثم ها هو ذا يدعوهم إلى طعامه فيجلسون إلى المائدة ولا يأكلون.

    ازداد خوف إبراهيم.

    كان الملائكة يقرءون أفكاره التي تدور في نفسه، دون أن يشي بها وجهه.

    قال له أحد الملائكة: (لاَ تَخَفْ). رفع إبراهيم رأسه وقال بصدق عظيم وبراءة: اعترف إنني خائف.

    لقد دعوتكم إلى الطعام ورحبت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه.. هل تنوون بي شرا؟

    ابتسم أحد الملائكة وقال: نحن لا نأكل يا إبراهيم.. نحن ملائكة الله.. وقد (
    أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)

    ضحكت زوجة إبراهيم.. كانت قائمة تتابع الحوار بين زوجها وبينهم، فضحكت.

    التفت إليها أحد الملائكة وبشرها بإسحاق.

    صكت العجوز وجهها تعجبا:

    قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(72) (هود)

    عاد أحد الملائكة يقول لها:

    وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ

    جاشت المشاعر في قلب إبراهيم وزوجته.

    شف جو الحجرة وانسحب خوف إبراهيم واحتل قلبه نوع من أنواع الفرح الغريب المختلط.

    كانت زوجته العاقر تقف هي الأخرى وهي ترتجف. إن بشارة الملائكة تهز روحها هزا عميقا.

    إنها عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير. كيف؟! كيف يمكن؟!

    وسط هذا الجو الندي المضطرب تساءل إبراهيم:

    أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) (الحجر)

    أكان يريد أن يسمع البشارة مرة أخرى؟

    أكان يريد أن يطمئن قلبه ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟

    أكان ما بنفسه شعورا بشريا يريد أن يستوثق؟

    ويهتز بالفرح مرتين بدلا من مرة واحدة؟ أكد له الملائكة أنهم بشروه بالحق.
    قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55) (الحجر)

    قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (الحجر)

    لم يفهم الملائكة إحساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين، وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفرح.

    لم تكن البشرى شيئا بسيطا في حياة إبراهيم وزوجته.

    لم يكن لإبراهيم غير ولد واحد هو إسماعيل، تركه هناك بعيدا في الجزيرة العربية.

    ولم تكن زوجته سارة قد أنجبت خلال عشرتها الطويلة لإبراهيم، وهي التي زوجته من جاريتها هاجر.

    ومن هاجر جاء إسماعيل. أما سارة، فلم يكن لها ولد. وكان حنينها إلى الولد عظيما،

    لم يطفئ مرور الأيام من توهجه.

    ثم دخلت شيخوختها واحتضر حلمها ومات.

    كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل.

    هكذا أراد الله لها. وهكذا أراد لزوجها. ثم ها هي ذي في مغيب العمر تتلقى البشارة.

    ستلد غلاما. ليس هذا فحسب،

    بشرتها الملائكة بأن ابنها سيكون له ولد تشهد مولده وتشهد حياته.

    لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت. ثم يجيء جزاء الله مفاجأة تمحو هذا كله في لحظة.

    فاضت دموعها وهي تقف.

    وأحس إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإحساس محير. جاشت نفسه بمشاعر الرحمة والقرب،

    وعاد يحس بأنه إزاء نعمة لا يعرف كيف يوفيها حقها من الشكر. وخرّ إبراهيم ساجدا على وجهه.

    انتهى الأمر واستقرت البشرى في ذهنيهما معا.

    نهض إبراهيم من سجوده وقد ذهب عنه خوفه، واطمأنت حيرته، وغادره الروع،

    وسكنت قلبه البشرى التي حملوها إليه. وتذكر أنهم أرسلوا إلى قوم لوط.

    ولوط ابن أخيه النازح معه من مسقط رأسه، والساكن على مقربة منه.

    وإبراهيم يعرف معنى إرسال الملائكة إلى لوط وقومه. هذا معناه وقوع عذاب مروع.

    وطبيعة إبراهيم الرحيمة الودودة لا تجعله يطيق هلاك قوم في تسليم.

    ربما رجع قوم لوط وأقلعوا وأسلموا أجابوا رسولهم.

    وبدأ إبراهيم يجادل الملائكة في قوم لوط. حدثهم عن احتمال إيمانهم ورجوعهم عن طريق الفجور،

    وأفهمه الملائكة أن هؤلاء قوم مجرمون. وأن مهمتهم هي إرسال حجارة من طين مسومة من عند ربك للمسرفين.

    وعاد إبراهيم، بعد أن سد الملائكة باب هذا الحوار، عاد يحدثهم عن المؤمنين من قوم لوط.

    فقالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. ثم أفهموه أن الأمر قد قضي.

    وإن مشيئة الله تبارك وتعالى قد اقتضت نفاذ الأمر وهلاك قوم لوط.

    أفهموا إبراهيم أن عليه أن يعرض عن هذا الحوار. ليوفر حلمه ورحمته. لقد جاء أمر ربه.

    وتقرر عليهم (
    عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) عذاب لن يرده جدال إبراهيم. كانت كلمة الملائكة إيذانا بنهاية الجدال..

    سكت إبراهيم. وتوجهت الملائكة لقوم لوط عليه السلام.


    أمَرَ الله سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَ بيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله

    قال سيّدُنا إبراهيمُ لولِده :

    إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّ الصغير

    لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِ بيتِ الله.

    كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِه المُهمّةِ الشاقّة.

    علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ من الجبالِ المُحيَطةِ بالوادي

    وكانَ عليهما أن يَجمَعا التُّرابَ ويُوفِّرا الماءَ الكافي لِصنُعِ « المَلاط » اللازم في بناءِ البيت

    وهكذا بدأ البناءُ، نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِ وجَمَعا التراب

    كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُ الصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء

    جَمَع كثيراَ من الصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناً لَزِجاً

    يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها

    كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَ الخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت

    أمّا إسماعيلُ فكانَ يُناوِلُ أباهُ الصُّخور

    في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّ يعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ..

    وهكذا

    وأخذا ينقلان الحجارة اللازمة لذلك و أخذا يدعوان ربهما أن يتقبل منهما .

    قال تعالى :

    (
    وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

    فاستجاب الله لإبراهيم وإسماعيل وبارك في الكعبة وجعلها قبلة للمسلمين جميعًا في كل زمان ومكان.




    في كلِّ يومٍ كانَ البناءُ يَرتفعُ قليلاً... و كلِّ يومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِ

    ويَقولان: ربَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ

    ارتَفَعَ البناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ.

    رأى سيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ العُليا

    في تلك الليلةِ كانَتِ الشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء،

    وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة

    في الصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ المطلّ على الوادي،

    وَقَعت عيناه على حَجَرٍ أبيضَ مِثلِ الثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ..

    لهذا حَمَلهُ سيّدُنا إبراهيم ووَضَعَهُ في مكانِه
    .




    انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَ أوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له

    كانَ للكعبةِ بابان:

    بابٌ باتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ،

    جَمَعَ سيّدُنا إبراهيم نَباتاً طيّبَ الرائحةِ يُدْعى « الإذخُر » فوَضعَه على الباب،

    وجاءت هاجَرُ أمُّ إسماعيل وأهدَت إلى الكعبةِ كِساءً



    الحجُّ الإبراهيمي


    انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثم هَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق

    سَمِعَت قبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ خليلِ الرحمن

    لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر.

    هَبَط جِبْريلُ عليه السلام يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ

    غسَلَوا بمياهِ زَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَ ناصِعةً،

    وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَ مرّات، وأدَّوا الصلاةَ ودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم

    وبعدَها انطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفا والمَرْوَةِ.


    وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيل ذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَي عَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً في المَهْد

    تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء..

    تَذَكّرت كيفَ قَطَعَت هذا الوادي المُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ،

    وكيف تَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء ؟

    وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟

    اللهُ ربُّنا أرادَ لهذه الحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء

    صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا، ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا

    ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.


    القُرْبان


    هَبَط المَلاكُ جبريلُ وأمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفات ومِنى،

    ومن ذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِ التَّرْوِيَة

    أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماء المُرصَّعَة بالنجوم.

    نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُ المَصابيحَ،

    فسجَدَ لله الخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير
    .


    أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. في عالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً !!

    رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُ إسماعيل... إنتَبَه من نومِه..

    كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ، ورأى ابنَه نائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه
    ..

    مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُ الرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّ العالمين!!

    استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأ وصلّى...

    واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُ وغَمَرت التِّلالَ بالنور
    .


    كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً..

    إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةً أخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه..

    ماذا يفعل ؟

    لو أمَرَه اللهُ سبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟

    في هذه المرّة عليه أن يَذبحَ ابنَه ؟! ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَه بذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً ؟

    وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُ بالذبحِ ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَ الذَّبح ؟
    !

    إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:

    ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي ؟

    قالَ سيّدُنا إبراهيم:

    ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى ؟


    أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانه يأمرُ رسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه...

    إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباه كثيراً، يَعرِفُ أنّ أباه لا يَفعلُ شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه...

    إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَه اللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً
    .

    عَرَف إسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم...

    لهذا قال له
    :

    ـ يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.

    سيّدُنا إبراهيمُ فِرِحَ بذلك.

    كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِ ورسولهِ
    .

    الذَّبيح

    أخَذَ سيّدُنا إبراهيمُ مُدْيَةً وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..

    كانَ إسماعيلُ يُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُ نَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أن يَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِ الآلامِ في سبيله..

    هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَنا إبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحو الوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِ الحَطَب..

    وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..

    نَظَر إسماعيلُ إلى أبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع..

    هو أيضاً بكى من أجلِ أبيهِ الشيخ فأراد أن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه
    :

    ـ يا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْ ثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي..

    يا أبي، واشْحَذِ السِّكِّينَ جَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة
    .

    بكى سيّدُنا إبراهيمُ وقال:

    ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.

    أحكَمَ سيّدُنا إبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِ الله.

    أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلى الأرض.

    جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة، يُودّعُ أُمَّه وأباه...

    وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِ إسماعيل..

    لحظةٌ واحدةٌ وينتهي كلُّ شيء
    .

    ماذا حَصَل في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟ كلاّ.

    سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءً لإسماعيل...

    نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناً يَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!




    حَل سيّدُنا إبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل...

    ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله،

    وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم
    .

    ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي من مِناسِكَ الحجّ.

    المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِ الله... البيتِ الذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله..

    يَطوفونَ حَولَهُ ويُمَجّدونَ اسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كما سَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،

    ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّم إبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ...

    يَفعلونَ ذلكَ لأنّهم على دينِ إبراهيم، ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف
    .


    أنا ابنُ الذَّبيحَين

    هل تعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟

    إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله. لماذا ؟ لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام،

    فقد عاشَ سيّدُنا إسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة
    ..

    ومِن ذرّيتهِ عبدُالمُطَّلِب جَدُّ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ من جديد،

    وفي عهدِه هاجَمَ الجيشُ الحَبَشيُّ مكّة لَتدميرِ الكعبةِ،

    فدَعا عبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَحْميَ البيتَ الحرامَ من شَرِّ الأعداء

    واستَجابَ الله دُعاءَ حفيدِ إبراهيمَ وإسماعيلَ،

    وأرسَلَ طَيراً أبابِيلَ قَصَفَت جيشَ أبرهَةَ الحَبَشيّ ومَزَّقَته
    ..

    دعا عبدُالمطّلب الله سبحانه أن يَرزُقَهُ عَشرَةَ بَنينِ،

    ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناً لله
    ..

    الله سبحانه رَزَق عبدَالمطّلب عشرةَ أبناء...

    فقال عبدالمطّلب
    :
    ـ لقد رَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.

    اقتَرَعَ عبدُالمطّلب بين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله،

    فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه
    .


    أهلُ مكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوا لعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ، واقرَعْ بينه وبين الإبل..

    وأعطِ ربَّك حتّى يَرضى
    ..
    وهكذا كانَ عبدُالمطّلب يَقرَع بينه وبين عشرةٍ من الإبل،

    فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُ الإبل مئةً.

    وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُ بالفِداء
    .


    فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها على الفقراءِ والجِياع.


    لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ، ولكنّ الله رَضِيَ بفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.


    لهذا كان سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين، لأنّه ابنُ عبدِالله بنِ عبدالمطّلب

    الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل
    .

    واليومَ عندما يَذهَبُ المسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَ لأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَ سيّدِنا إسماعيلَ..

    ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله
    .



    قد كان لإبراهيم عليه السلام رسالة ودين قويم وشريعة سمحة أمرنا الله باتباعها

    قال تعالى
    (
    قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )

    أي اتبعوا الدين الحنيف القويم الثابت الذي لا يتغير.

    ومرض إبراهيم عليه السلام ثم مات بعد أن أدى رسالة الله وبلغ ما عليه.


    قيل في رحلة النبي محمد صل الله عليه وسلم , رحلة الإسراء والمعراج

    قابل النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله إبراهيم عليه السلام في السماء

    السابعة بجوار البيت المعمور الذي يدخله

    كل يوم سبعون ألف من الملائكة يتعبدون فيه ويطوفون ثم يخرجون ولا

    يعودون إليه إلى يوم القيامة

    وذلك كما ذكر في حديث المعراج الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم )

    عندما صعد بي جبريل إلى السماء السابعة فاستفتح جبرائيل قيل: من هذا؟

    قال : جبرائيل , قيل : ومن معك ؟ قال محمد , قيل : وقد بعث إليه؟

    قال : نعم, قيل : مرحبًا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم ,

    قال : هذا أبوك فسلم عليه فسلمتُ عليه فرد السلام ثم قال مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح).

    وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير البرية فقال :

    (
    ذاك إبراهيم ) وهو أول من يكْسى يوم القيامة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( … وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم )

    فالناس يحشرون يوم القيامة عراة فيكسى إبراهيم عليه السلام تكريمًا له

    ثم الأنبياء ثم الخلائق وقد مدح الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم وأثنى عليه

    قال تعالى

    (
    إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).

    وقد فضل الله إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة فجعل النبوة فيه وفي ذريته إلى يوم القيامة

    قال تعالى

    (
    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ).

    وإبراهيم عليه السلام من أولي العزم من الرسل ووصى الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يسير على ملته

    قال تعالى : (
    قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )

    وقال : (
    ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ


    ومدح الله إبراهيم بالوفاء والقيام بما عهد إليه فقال تعالى : (
    وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ).

    ولأنه أفضل الأنبياء والرسل بعد محمد صلى الله عليه وسلم أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نصلي عليه في صلاتنا أثناء التشهد.



    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
    كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

    اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
    كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم

    في العالمين ,, أنك حميد مجيــــد ,,
    الصور المرفقة الصور المرفقة

    •   Alt 

       

  2. #12





    لوط عليه السلام





    لوط عليه الصلاة والسلام هو من الأنبياء والرسل الكرام ،

    وقد ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم سبعاً وعشرين مرة ،

    في الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل وغيرها من سور القرءان ،

    هذا وقد ذكرت قصته مع قومه مفصلة في بعض السور ومجملة في البعض الآخر
    .

    هو نبي من أنبياء الله تعالى هو ابن هارون وابن أخي إبراهيم عليه السلام وقد أمن بسيدنا إبراهيم ،

    أرسله الله سبحانه وتعالى في مكان بالإردن يدعى بسدوم ويدعى بحيرة لوط حالياً ليهدي قومه ويدعوهم

    إلى عبادة الله سبحانه وتعالى

    واسم
    لوط عجمي ليس عربيًا وليس مشتقًا من اللواط

    لأن اللواط لفظ عربي تصريفه لاط يلوط لواطًا أي فعل تلك الفاحشة

    ولا يليق بمنصب الأنبياء أن يكون اسم أحدهم مشتقًا من لفظ معناه خبيث.

    وقد صدَّق لوط بدعوة عمه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام واهتدى بهديه،

    قال الله تعالى في القرءان

    :{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}سورة العنكبوت.

    وقد هاجر لوط عليه السلام مع عمه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام من العراق وتبعه في جميع أسفاره ورحلاته،

    ثم بعثه الله تبارك وتعالى إلى أهل سدوم في الأردن قرب البحر الميت.



    كان نبي الله لوط عليه السلام قد نزح عن محلة عمه إبراهيم الخليل بإذنه فنزل بمدينة سدوم [1]

    كما أمره الله تعالى وهي في أطراف شرق الأردن قرب البحر الميت، وكانت هذه المدينة لها قرى مضافة إليها.

    وكان قوم سدوم من أكفر الناس وأفجرهم وأخبثهم طوية وأقبحهم سيرة،

    فقد كانوا ذوي أخلاق رديئة ونفوس خبيثة لا يستحون من منكر ولا يتعففون عن معصية،

    وكانوا يقطعون السبيل على المسافرين ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن المنكرات فيما بينهم،

    وكانوا ابتدعوا جريمة نكراء وذنبًا شنيعًا اشتهروا به،

    ولم يسبقهم إليه أحد من أهل الأرض وهي إتيان الذكور – أي اللواط –

    قال تعالى حكاية عن لوط عليه السلام

    : {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ *وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}سورة الشعراء.


    ولقد كان قوم لوط من قساوة قلوبهم وفساد أخلاقهم يتجاهرون بفعل فاحشة اللواط ولا يستترون ولا يستحون،

    فلما بعث الله تعالى نبيه لوطًا إليهم دعاهم إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له

    ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والمنكرات وتلك الأفاعيل المستقبحة،

    ولكنهم استمروا على كفرهم وإشراكهم وتمادوا في ضلالهم وطغيانهم وفي المجاهرة بفعل اللواط.


    وقيل: إن الذي حملهم على إتيان الرجال دون النساء أنهم كانت لهم بساتين وثمار في منازلهم

    وبساتين وثمار خارجة على ظهر الطريق وأنهم أصابهم قحط شديد وجوع

    فقال بعضهم لبعض: إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة عن أبناء السبيل والمسافرين كان لكم فيها معاش،

    فقالوا: كيف نمنعها؟ فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: اجعلوا سنتكم -أي عادتكم وطريقكم-

    فيها أن من وجدتموه في بلادكم غريبًا فاسلبوه وانكحوه

    فإن الناس لا يطئون أرضكم،

    وزين لهم الشيطان هذا الفعل الخبيث،

    فكانوا كذلك حتى بعث الله لهم لوطًا عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى عبادة الله وترك هذه المحرمات والفواحش،


    قال الله تبارك وتعالى

    :{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}سورة الأعراف، وقال تعالى:{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}سورة الشعراء.


    ولكنهم تمادوا في غيّهم وضلالهم ولم يزدهم وعظ نبيهم وأمره لهم بالمعروف ونهيه لهم عن المنكر

    إلا تمادياً وتكبرًا وطغيانًا واستعجالًا لعقاب الله إنكارًا منهم لوعيده وتكذيبًا منهم لنبي الله لوط عليه الصلاة والسلام،

    فقد كانوا يقولون له:
    ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين،

    ولم يكتفوا بهذا التكذيب والاستكبار بل أخذوا يهددونه بالطرد من قريتهم

    وهمّوا بإخراج نبي الله من بين ظهرانيهم وهذا منتهى السفه والعناد والتكبر،

    قال الله تبارك وتعالى

    :
    {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}سورة الأعراف،

    وقال تعالى

    :
    {قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ}سورة الشعراء.

    لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط.. فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء،

    وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد.. كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه..


    ولقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط..

    وكانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال..

    واستطارت شهرتهم الوبيلة، وجاهدهم لوط جهادا عظيما،

    وأقام عليهم حجته، ومرت الأيام والشهور والسنوات، وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد..

    لم يؤمن به غير أهل بيته..

    حتى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعا. كانت زوجته كافرة.

    وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط عليه السلام،

    فكانوا يقولون:
    (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). فيئس لوط منهم، ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين.



    ذهاب الملائكة لقوم لوط:

    خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط..

    بلغوا أسوار سدوم..

    وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر..

    رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أحد الملائكة: يا جارية.. هل من منزل؟


    قالت [وهي تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبي وآتيكم..

    أسرعت نحو أبيها فأخبرته.

    فهرع لوط يجري نحو الغرباء. فلم يكد يراهم حتى
    (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)

    سألهم: من أين جاءوا؟ .. وما هي وجهتهم؟..

    فصمتوا عن إجابته.

    وسألوه أن يضيفهم..

    استحى منهم وسار أمامهم قليلا ثم توقف والتفت إليهم

    يقول:
    لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.

    قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية، غير أنهم غضوا النظر عن قوله ولم يعلقوا عليه،

    وعاد يسير معهم ويلوي عنق الحديث ويقسره قسرا ويمضي به إلى أهل القرية - حدثهم أنهم خبثاء..

    أنهم يخزون ضيوفهم..

    حدثهم أنهم يفسدون في الأرض. وكان الصراع يجري داخله محاولا التوفيق بين أمرين..

    صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إحراجهم، وبغير إخلال بكرم الضيافة..

    عبثا حاول إفهامهم والتلميح لهم أن يستمروا في رحلتهم، دون نزول بهذه القرية
    .

    سقط الليل على المدينة.. صحب لوط ضيوفه إلى بيته..

    لم يرهم من أهل المدينة أحد..

    إلا زوجته لم تكد زوجته تشهد الضيوف حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره.

    أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر..

    وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم. وجاء قوم لوط له مسرعين..


    تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟..


    وجاء القوم على باب البيت..

    خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير،

    وبدأ بوعظهم:

    (هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).. قال لهم: أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية..


    (فَاتَّقُواْ اللّهَ)..

    اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى..

    (وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)
    .. هي محاولة يائسة لِلَمْس نخوتهم وتقاليدهم.

    و ينبغي عليهم إكرام الضيف لا فضحه
    .

    (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ).. أليس فيكم رجل عاقل؟..

    إن ما تريدونه -لو تحقق- هو عين الجنون
    .

    إلا أن كلمات لوط عليه السلام لم تلمس الفطرة المنحرفة المريضة، ولا القلب الجامد الميت،

    ولا العقل المريض الأحمق.. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها
    .


    فقومه الخبثاء رفضوا نصيحته، وصارحوه بغرضهم السيء من غير استحياء ولا خجل

    وقالوا له:
    ما لنا في بناتك من حق -

    أي أنهم ليسوا في حاجة الى بنات القرية- و أنهم لا يرغبون الا في أولئك الشبان الحسان

    الذين هم في بيتته ضيوفاً.

    عند ذلك ازداد همه وغمه عليه الصلاة والسلام

    وتمنى أن لو كان له بهم قوة أو كان له منعة أو عشيرة في قومه فينصروه عليهم
    .


    يقول الله تبارك وتعالى:
    } ولمَّا جاء رسلنا لوطًا سِىء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال هذا يومٌ عصيب* وجاءه قومه يهرعون اليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هنَّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تُخزون في ضيفي أليس منكم رجلٌ رشيد* قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وانَّك لتعلم ما نريد* قال لو أنَّ لي بكم قوةً أو ءاوي الى ركن شديد{




    أحس لوط بضعفه وهو غريب بين القوم.. نازح إليهم من بعيد بغير عشيرة تحميه،

    ولا أولاد ذكور يدافعون عنه.. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته..

    كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين..

    فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب..


    وتمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه ويأوي إليه..

    غاب عن لوط في شدته وكربته أنه يأوي إلى ركن شديد..

    ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه..


    بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته..

    تحرك ضيوفه ونهضوا فجأة..

    فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف.. نحن ملائكة الله ..

    ولن يصل إليك هؤلاء القوم..

    ثم نهض جبريل، عليه السلام، وأشار بيده إشارة سريعة،

    ففقد القوم أبصارهم
    .

    التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج..

    سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. فلا يلتفت منهم أحد.. كي لا يصيبه ما يصيب القوم..

    أي عذاب هذا؟..

    هو عذاب من نوع غريب، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه..

    أخبره أن امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وسوف يصيبها ما أصابهم
    .

    سأل لوط الملائكة: عن موعد العذاب..

    أخبروه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح.. (
    أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ

    خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل وغذوا السير..

    واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله..


    ثم جاء أمر الله تعالى..

    يقول الله عز وجل

    :
    {فلمَّا جاءَ أمرُنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارةً من سجيل منضود* مُسَوَّمةٌ عند ربكَ وما هي من الظالمين ببعيد} [سورة هود].


    لقد أدخل جبريل عليه السلام الذي وصفه الله تبارك وتعالى في القرءان بقوله

    :
    {ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين} [سورة التكوير]

    ريشة واحدة من أجنحته في قراهم ومدنهم وكانت أربعة أو خمسة واقتلعهن من أصلهن وقرارهن

    بمن فيهن من قوم لوط الكافرين

    وكانوا كما قيل: أربعمائة ألف شخص، وما معهم من البهائم

    فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء

    حتى سمع الملائكة الذين في السماء الأولى أصوات ديكتهم ونباح كلابهم،

    ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها

    أي لم يردها كما كانت وانما ردها مقلوبة بمشيئة الله وقدرته،

    من دون تعب ولا مشقة،

    وأرسل عليهم صيحة من السماء وأمطر عليهم حجارة من سجيل،

    يقول الله تعالى:

    {فأخذتهم الصيحة مشرقين* فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} [سورة الحجر]


    ويقول تعالى في ءاية أخرى:

    {وأمطرنا عليها حجارةً من سجيل منضود* مسوَّمةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} [سورة هود]

    أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء

    قيل: أي مُعَلَّمةً مكتوباً على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدفعه ويقتله،

    ويقول الله تبارك وتعالى:

    {والمؤتفكة أهوى* فغشَّاها ما غشَّى* فبأيِّ ءالاء ربك تتمارى} [سورة النجم]

    والمؤتفكة هي قرى قوم لوط عليه السلام،

    قيل: أي قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة،

    وكانت مسومة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه،

    وما ان أشرقت الشمس حتى كانت القرى بمن فيها خراباً ودماراً

    يقول تعالى:
    {وكذلك أخذ ربك اذا أخذ القرى وهي ظالمة انَّ أخذهُ أليمٌ شديدٌ} [سورة هود].
    زوجة لوط عليه السلام مع الهالكين


    أهلك الله تبارك وتعالى زوجة نبيه لوط عليه الصلاة والسلام مع الهالكين

    لأنها كذبت نبيه لوطاً عليه السلام ولم تؤمن به ولم تدخل في دين الاسلام،

    بل بقيت كافرة مع قومها راضية بأفعالهم الخسيسة وصفاتهم المذمومة،

    فحلَّ بها من السخط والعذاب ما حلَّ بقومها جزاء لها على كفرها وتعاطفها مع قومها،

    ولم ينفعها عند الله أنها كانت زوجة نبي الله لوط عليه السلام

    وهي باقية على الكفر والضلال يقول الله جل وعلا في محكم تنزيله

    : {فأنجيناه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين} [سورة الأعراف]

    ويقول عز من قائل:

    {ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأتَ نوح وامرأتَ لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين}[سورة التحريم].


    والمراد بالخيانة هنا الخيانة في الدين، فانهما لم تتبعاهما في دين الاسلام،

    بل بقيتا على الكفر والضلال ولم ينفعهما أنهما زوجتا نبيين من أنبياء الله عظيمين

    وهما نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام، وليس المراد بالخيانة هنا الزنى وأنهما كانتا على الفاحشة،

    ويروى عن ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: “ما “بغتْ” -أي زنت- امرأة نبي قط”.

    وقيل: ان اسم امرأة لوط “والهة” واسم امرأة نوح “والغة”

    روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:

    {فخانتاهما} [سورة التحريم] قال: “ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تقول للناس انه مجنون،

    وأما امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فذلك خيانتهما”.




    نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت..

    تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من الملح.

    قال العلماءإن مكان المدن السبع.. بحيرة غريبة..

    ماؤها أجاج..

    وكثافة الماء أعظم من كثافة مياه البحر الملحة..

    وفي هذه البحيرة صخور معدنية ذائبة..

    توحي بأن هذه الحجارة التي ضرب بها قوم لوط كانت شهبا مشعلة.

    يقال إن البحيرة الحالية التي نعرفها باسم "البحر الميت" في فلسطين..

    هي مدن قوم لوط السابقة.

    انطوت صفحة قوم لوط..

    انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض..

    سقطوا من ذاكرة الحياة والأحياء..

    وطويت صفحة من صفحات الفساد..

    وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه.. وأدهشه أن إبراهيم كان يعلم..

    ومضى لوط في دعوته إلى الله.. مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله..

    مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض.
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  3. #13



    بـــعـــد أحداث قصة سيدنا إبراهيم

    عليه الصلاة والسلام

    وإبنه إسماعيل عليه السلام


    ننتقل إلى قصة


    سيدنا












    إسحاق عليه السلام




    أسحاق هو ولد سيدنا إبراهيم من زوجته سارة،

    ذكره الله في القرآن بأنه

    "غلام عليم"

    جعله الله نبيا يهدي الناس إلى فعل الخيرات، جاء من نسله سيدنا يعقوب عليه السلام
    .


    وهب الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم إسحاق،

    بعد أن طَعَن في السن، وأيس هو وامرأته " سارة "
    من الولد،

    عندما جاءته ا
    لملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط

    وقد كانت البشارة بمولده

    القادم وهو اسحاق فبشروهما بإسحاق،

    فتعجبت زوجته سارة من ذلك،

    وقالت:
    قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ

    قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ "


    وبشروه مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعَقِبا،

    كما قال:
    وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ

    وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة،

    وقال:
    وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ

    أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده،

    فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، وقعت البشارة به وبولده

    باسم " يعقوب "
    ، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية،

    وكان هذا مجازاة لسيدنا
    ابراهيم عليه السلام، حين اعتزل قومه وتركهم،

    ونزح عنهم و
    هاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض،

    فعوضه الله
    عَزَّ وجل،

    عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه وعلى دينه، لتقر بهم عينه،


    كما قال تعالى:
    فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا

    وقال هاهنا:
    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ "


    دعا إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله وحده،

    وأوحى إليه بشريعة مبنية على الإسلام ليبلغها ويعلمها الناس،

    وقد أرسله الله تبارك وتعالى إلى الكنعانيين في بلاد الشام وفلسطين الذين

    عاش بينهم،

    وقد قيل: إن إبراهيم عليه السلام أوصى ابنه إسحاق ألا يتزوج إلا امرأة من

    أهل أبيه فتزوج إسحاق رفقة بنت ابن عمه، وكانت عاقرًا لا تنجب فدعا الله

    لها فحملت فولدت غلامين توأمين أحدهما اسمه العيص، والثاني يعقوب

    وهو نبي الله إسرائيل.

    والقرآن لم يفصل قصة هذا النبي الصالح كما فصل غيرها من قصص الأنبياء‏،‏

    رغم ورود اسمه سبع عشرة مرة في كتاب الله‏،‏ وكأن المقصود من ذلك

    هو الدرس المستفاد من معجزة ميلاده من أبوين كانا قد جاوزا القدرة على الإنجاب‏،‏

    إثباتا لقدرة الله المطلقة التي لا تحدها حدود ولا يقف أمامها عائق‏.‏


    ولا يذكر القرآن غير ومضات سريعة من قصة إسحاق، حيث كان ميلاده حدثاً خارقاً، بشرت به الملائكة،

    وورد في البشرى اسم ابنه يعقوب

    قال تعالى:
    “فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب” ولقد قر قلب سارة بمولد إسحاق

    ومولد ابنه يعقوب،

    قال تعالى:
    “الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء”،

    ولم يذكر القرآن كيف كانت حياة إسحاق،

    ولا نعرف بماذا أجابه قومه، كل ما نعرفه أن الله ذكره بالثناء والمدح في أكثر من آية،

    “ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين”.


    قيل إن إسحاق عليه السلام عاش مائة وثمانين سنة ومات في حبرون وهي

    قرية في فلسطين وهي مدينة الخليل اليوم حيث كان يسكن إبراهيم عليه

    السلام، ودفنه ابناه العيص ويعقوب عليه السلام في المغارة التي دفن فيها

    أبوه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.




    ******
    ****
    **
    *
    *
    *
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  4. #14




    سيدنا يعقوب عليه السلام



    هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.. اسمه إسرائيل.. كان نبيا إلى قومه.. ذكر الله تعالى ثلاث أجزاء من قصته..

    بشارة ميلاده.. وقد بشر الملائكة به إبراهيم جده.. وسارة جدته..

    أيضا ذكر الله تعالى وصيته عند وفاته..

    وسيذكره الله فيما بعد -بغير إشارة لاسمه- في قصة يوسف.


    روى البخاري في (صحيحه) عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم،

    قال
    :

    "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام"،

    فقد وصف صلى الله عليه وسلم النبي
    يعقوب بأنه (الكريم)، وأدرجه في سلسلة آبائه الأنبياء

    الكرام
    إبراهيم وإسحاق عليهما السلام.

    وحديث القرآن الكريم عن النبي يعقوب عليه السلام جاء مقتضباً،

    وغاية ما ذكره بخصوص هذا النبي الكريم الآيات التالية
    :

    قوله سبحانه

    "ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون "


    وقوله تعالى

    " أ
    م كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون"


    وقوله عز وجل

    "واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار"

    وذكر القرآن الكريم يعقوب عليه السلام في معرض الحديث عن قصة ابنه يوسف، وسوف نقف عليها بالتفصيل في مقال آخر.


    وقد أطلق القرآن الكريم على يعقوب عليه السلام اسم إسرائيل، وجاء ذلك في موضعين:

    أحدهما: قوله تبارك وتعالى:

    "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة "


    الثاني : قوله عز وجل

    " أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا "

    ولفظ
    إسرائيل معناه: صفوة الله، أو عبد الله.


    وقد حفل القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي تخاطب ذرية إسرائيل عليه السلام،

    حيث ورد هذا الخطاب في نحو أربعين موضعاً في القرآن الكريم،

    نحو قوله تعالى
    "
    يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون"

    والآيات التي ذكرها القرآن الكريم عن النبي يعقوب عليه السلام كلها تدل

    على أنه كان على ملة أبيه
    إبراهيم عليه السلام،

    وقد أوصى بنيه من بعده باتباع ملة أبية
    إبراهيم حنيفاً، وعدم الحيد عنها؛ لأنها هي ملة الإسلام لله وحده.

    كما أخبرنا القرآن الكريم أن يعقوب عليه السلام كان من أهل العمل الصالح،

    والعلم النافع، والقوة في العبادة، والبصيرة النافذة.


    وقد ذكر
    ابن كثير في (البداية والنهاية) قصة يعقوبمفصلة، وحاصل ما جاء فيها:

    إن
    إسحاق عليه السلام لما تزوج رُزق بولدين، أحدهما: سماه عيصو. والثاني: خرج وهو آخذ بعقب أخيه،

    فسموه
    يعقوب، وهو إسرائيل، الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل. ثم إن يعقوب لما كبر قَدِمَ على خاله لابان في أرض حران،

    وكانت له ابنتان: اسم الكبرى
    ليا ، واسم الصغرى راحيل، وكانت أحسنهما، وأجملهما،

    فطلب
    يعقوب الزواج بالصغرى من خاله، فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين،

    فلما مضت المدة على خاله
    لابان صنع طعاماً، وجمع الناس عليه، وزف إليه ليلاً ابنته الكبرى ليا.

    فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا، فقال لخاله: لم غدرت بي؟! وأنت إنما خطبت إليك راحيل،

    فقال: إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى، فان أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها،

    فعمل سبع سنين، وادخلها عليه مع أختها، وكان ذلك سائغاً في ملتهم، ثم نُسخ في شريعة التوراة
    .


    ثم إن راحيل دعت الله تعالى وسألته أن يهب لها غلاماً من يعقوب، فسمع الله ندائها، وأجاب دعائها،

    فحملت من نبي الله
    يعقوب، فولدت له غلاماً عظيماً شريفاً حسناً جميلاً، سمته يوسف،

    كل هذا وهم مقيمون بأرض حران، وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى،

    فصار مدة مقامه عشرين سنة، فطلب
    يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله،

    فقال له خاله:
    إني قد بورك لي بسببك، فسلني من مالي ما شئت.

    وأوحى الله تعالى إلى يعقوب عليه السلام أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه، ووعده بأن يكون معه،

    فعرض ذلك على أهله، فأجابوه مبادرين إلى طاعته، فحمل أهله وماله، وقفل قاصداً بلاده
    .

    ثم مر يعقوب على أورشليم قرية شخيم، فنزل قبل القرية، واشترى مزرعة شخيم بن جموربمائة نعجة،

    فضرب هنالك فسطاطه، وابتنى ثَمَّ مذبحاً، فسماه إيل إله
    إسرائيل،

    وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه، وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك
    سليمان بن داود عليهما السلام.


    وذكر أصحاب السير أن أولاد يعقوب عليه السلام الذكور كانوا اثني عشر رجلاً؛

    فمنليا: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وايساخر، وزايلون.
    ومنراحيل: يوسف وبنيامين.

    وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية (حبرون)

    التي في أرض كنعان حيث كان يسكن
    إبراهيم عليه السلام، ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة،

    ودفنه ابناه
    العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل.


    وقد قص علينا القرآن الكريم أن يعقوب وأولاده استدعاهم يوسف عليه السلام للحضور إلى مصر،

    فتركوا فلسطين، ولبوا دعوته، وحضروا إلى مصر،

    قال تعالى

    " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم "



    وذكر أهل السير أن يعقوب عندما دخل مصر كان عمره مائة وثلاثين سنة، وأقام بمصر سبع عشرة سنة.

    ثم لحق بربه، وسنُّه مائة وسبعة وأربعون عاماً، فاستأذن
    يوسف عليه السلام ملك مصر في الخروج مع أبيه يعقوب

    ليدفنه عند أهله بفلسطين، فأذن له، وتم دفن يعقوبعليه السلام ببلدة (حبرون) المسماة بالخليل اليوم،

    بجوار جده
    إبراهيم وأبيه إسحاق عليهما السلام.





    نعرف مقدار تقواه من هذه الإشارة السريعة إلى وفاته.. نعلم أن الموت كارثة تدهم الإنسان،

    فلا يذكر غير همه ومصيبته.. غير أن يعقوب لا ينسى وهو يموت أن يدعو إلى ربه..

    قال تعالى في سورة (البقرة):

    " أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "

    إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في ساعة الموت ولحظات الاحتضار، مشهد عظيم الدلالة..

    نحن أمام ميت يحتضر.. ما القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار..؟

    ما الأفكار التي تعبر ذهنه الذي يتهيأ للانزلاق مع سكرات الموت..؟

    ما الأمر الخطير الذي يريد أن يطمئن عليه قبل موته..؟

    ما التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه وأحفاده..؟

    ما الشيء الذي يريد أن يطمئن -قبل موته- على سلامة وصوله للناس.. كل الناس..؟

    ستجد الجواب عن هذه الأسئلة كلها في سؤاله " مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي"

    . هذا ما يشغله ويؤرقه ويحرص عليه في سكرات الموت..

    قضية الإيمان بالله... هي القضية الأولى والوحيدة،...

    وهي الميراث الحقيقي الذي لا ينخره السوس ولا يفسده..

    وهي الذخر والملاذ.

    قال أبناء إسرائيل: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا، ونحن له مسلمون..

    والنص قاطع في أنهم بعثوا على الإسلام..

    إن خرجوا عنه، خرجوا من رحمة الله.. وإن ظلوا فيه، أدركتهم الرحمة.

    مات يعقوب وهو يسأل أبناءه عن الإسلام، ويطمئن على عقيدتهم..

    وقبل موته، ابتلي بلاء شديدا في ابنه يوسف.

    سترد معنا مشاهد من قصة يعقوب عليه السلام عند ذكرنا لقصة ابنه النبي الكريم يوسف عليه السلام






    ******
    *****
    ****
    ***
    **
    *



  5. #15







    يـــوســــف عـــلـيـه الــسـلام




    حقيقية قصة سيدنا يوسف من أجمل القصص التي ستقرأها في القرآن

    فهي قصة مشوقة وفيها كثيرالحداث والعبر



    لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه السلام-

    وسوف أقسمها لعدد من الفصول

    والمشاهد ليسهل علينا تتبع الأحداث.





    الفصل الاول



    المشهد الاول طفوله يوسف عليه السلام



    كان لسيدنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام إثنا عشر ولداً من الذكور ،و من هؤلاء الأولاد سيدنا يوسف و أخوه بنيامين، كان يوسف عليه السلام حسن الخلقة جميل الوجه و الصورة، و قد كان له عند والده مكانة و محبة خاصة ، مما جعل ذلك سبباً في حقد إخوته عليه و غيرتهم


    ذهب يوسف الصبي الصغير لأبيه،



    وحكى له عن رؤيا رآها.



    أخبره بأنه رأى في المنام أحد عشر كوكبا والشمس



    والقمر ساجدين له.



    استمع الأب إلى رؤيا ابنه


    فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وأخوته فيها.

    فأمره بكتمانها وألا يقصها على أخوته؛ كي لا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر
    .

    وهذا يدل على ما ذكرناه.

    ولهذا جاء في بعض الآثار:
    "استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فإن كل ذي نعمة محسود".


    {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي وكما أراك هذه الرؤية العظيمة، فإذا كتمتها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة، {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك.

    {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي بالوحي إليك {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة.

    {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب،

    وجدك اسحاق، ووالد جدك إبراهيم الخليل،
    {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

    كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.

    فلقد أدرك يعقوب -عليه السلام- بحدسه



    وبصيرته أن وراء هذه الرؤية شأنا عظيما لهذا الغلام.



    لذلك نصحه بأن لا يقص رؤياه



    على إخوته خشية أن يستشعورا



    ما وراءها لأخيهم الصغير -غير الشقيق، حيث تزوج



    يعقوب من امرأة ثانية أنجبت له يوسف وشقيقه- فيجد



    الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم،



    فتمتلئ نفوسهم بالحقد،



    فيدبروا له أمرا يسوؤه.



    استجاب يوسف لتحذير



    أبيه.. لم يحدث أخوته بما رأى،



    وأغلب الظن أنهم كانوا يكرهونه إلى



    الحد الذي يصعب فيه أن يطمئن إليهم ويحكي



    لهم دخائله الخاصة وأحلامه.




    المشهد الثاني:



    اجتمع أخوة يوسف يتحدثون في أمره.



    (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ



    وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ



    إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)




    أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع،



    فأبونا مخطئ في تفضيل



    هذين الصبيين على مجموعة من الرجال النافعين!



    فاقترح أحدهم حلا للموضوع:



    (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا).



    إنه الحقد وتدخل الشيطان الذي ضخم حب أبيهم



    ليوسف وإيثاره عليهم حتى جعله يوازي القتل.



    أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله.



    وطرحه في أرض بعيدة نائية مرادف للقتل،



    لأنه سيموت هناك لا محاله. ولماذا هذا



    كله؟! حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم.



    ومن ثم يتوبون عن جريمتهم



    (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ).

    قال قائل منهم -حرك الله أعماقه بشفقة خفية،



    أو أثار الله في أعماقه رعبا من القتل: ما الداعي لقتله؟



    إن كنتم تريدون



    الخلاص منه،



    فلنلقه في بئر تمرعليها القوافل.. ستلتقطه قافلة وترحل



    به بعيدا.. سيختفي عن وجه أبيه.. ويتحقق



    غرضنا من إبعاده.

    انهزمت فكرة القتل، واختيرت فكرة النفي والإبعاد.



    نفهم من هذا أن الأخوة، رغم شرهم وحسدهم،



    كان في قلوبهم، أو في قلوب بعضهم،


    بعض خير لم يمت بعد.





    المشهد الثالث:




    توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السماح ليوسف

    بمرافقتهم. دار الحوار

    بينهم وبين أبيهم بنعومة وعتاب خفي،



    وإثارة للمشاعر.. مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ..؟



    أيمكن أن يكون يوسف أخانا،



    وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه،



    ونحن نحبه وننصح له ونرعاه؟ لماذا



    لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟

    وردا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه



    السلام ينفي -بطريقة غير مباشرة- أنه لا يأمنهم عليه،



    ويعلل احتجازه معه بقلة صبره



    على فراقه وخوفه عليه من



    الذئاب: قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ

    أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ .

    ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف



    أبوه أن يأكله.. نحن عشرة



    من الرجال.. فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟

    نكون خاسرين غير أهل

    للرجولة لو وقع ذلك.. لن يأكله الذئب



    ولا داعي للخوف عليه.

    وافق الأب تحت ضغط أبنائه.. ليتحقق قدر الله



    وتتم القصة كما تقتضي مشيئته!





    المشهد الرابع:




    خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء.


    وصلوا الى بئر وحملوه وهموا بإلقائه في



    البئر..ورمو أخوهم يوسف البئر



    اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل



    وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف..

    وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه.



    المشهد الخامس:


    عند العشاء جاء الأبناء



    باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة.



    أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون،



    فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف.



    لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة،



    فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها من المرة الأولى



    التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم!



    ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون،



    يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى.



    كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب دليلا على التسرع،



    وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها.



    فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح



    ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه



    أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه



    بدم كذب لطخوه به في غير إتقان

    ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا

    قميص يوسف.. جاءوا بالقميص كما هو سليما،



    ولكن ملطخا بالدم.. وانتهى



    كلامهم بدليل قويعلى كذبهم



    حين قالوا:
    (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)



    أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق،



    لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله.



    أدرك يعقوب من دلائل الحال ومن نداء قلبه



    ومن الأكذوبة الواضحة،



    أن يوسف لم يأكله الذئب،



    وأنهم دبروا له مكيدة ما،



    وأنهم يلفقون له قصة لم تقع،



    فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم



    أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه



    سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو،



    مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب:



    قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ



    جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ





    المشهد الأخير من الفصل الأول من حياة سيدنا

    يوسف عليه السلام:





    أثناء وجود يوسف بالبئر،



    مرت عليه قافلة.. قافلة في طريقها



    إلى مصر.. قافلة كبيرة.. سارت طويلا حتى سميت



    سيارة.. توقفوا للتزود بالماء.. وأرسلوا أحدهم



    للبئر فأدلى الدلو فيه.. تعلق يوسف به.. ظن من دلاه



    أنه امتلأ بالماء فسحبه.. ففرح بما رأى.. رأى



    غلاما متعلقا بالدلو.. فسرى على



    يوسف حكم الأشياء المفقودة التي يلتقطها أحد.. يصير



    عبدا لمن التقطه.. هكذا كان قانون ذلك الزمان البعيد.

    فرح به من وجده في البداية،



    ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته،



    وزهد فيه لأنه وجده صبيا صغيرا.. وعزم على



    التخلص منه لدى وصوله إلى مصر.. ولم يكد يصل



    إلى مصر حتى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد،



    دراهم معدودة.



    ومن هناك اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية.

    انتهت المحنة الأولى في حياة هذا النبي الكريم،



    لبتدأ المحنة الثانية، والفصل الثاني من حياته.

    ثم يكشف الله تعالى مضمون القصة البعيد في بدايتها



    (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).



    لقد انطبقت جدران العبودية على يوسف.

    ألقي في البئر، أهين،

    حرم من أبيه، التقط من البئر،



    صار عبدا يباع في الأسواق، اشتراه رجل من مصر،



    صار مملوكا لهذا الرجل.. انطبقت



    المأساة، وصار يوسف بلا حول



    ولا قوة..هكذا يظن أي إنسان.. غير



    أن الحقيقة شيء يختلف عن الظن تماما.

    ما نتصور نحن أنه مأساة ومحنة وفتنة..



    كان هو أول سلم يصعده يوسف في طريقه



    إلى مجده..
    (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .. ينفذ



    تدبيره رغم تدبير الآخرين.



    ينفذ من خلاله تدبير الآخرين فيفسده ويتحقق وعد الله،



    وقد وعد الله يوسف بالنبوة.

    وها هو ذا يلقي محبته على صاحبه الذي اشتراه..



    وها هو ذا السيد يقول لزوجته



    أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.



    وليس هذا السيد رجلا هين الشأن..



    إنما هو رجل مهم.. رجل من الطبقة الحاكمة

    في مصر..



    سنعلم بعد قليل أنه وزير من وزراء الملك.



    وزير خطير سماه القرآن 'العزيز'،



    وكان قدماء المصريين يطلقون الصفات كأسماء



    على الوزراء. فهذا العزيز.. وهذا العادل..



    وهذا القوي.. إلى آخره.. وأرجح الآراء أن العزيز



    هو رئيس وزراء مصر.

    وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي



    في بيت رجل يحكم.



    وسيعلمه الله من تأويل الأحاديث



    والرؤى.. وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما.



    (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).




    هذه نهاية مشاهد الفصل الاول

    من قصة سيدنا يوسف


    فلنابع معاً

    الفصل الثاني

    من القصة
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  6. #16
    أعزائي وإخوتي الكرام


    أعتذر على هذا الانقطاع


    وغداً إن شاء الله لنا عودة بإذن الله حميدة

    مع الفصل الثاني من قصة سيدنا يوسف عليه السلام


    مع خالص حبي


    أم الهنــــــــــــــوف

  7. #17
    كاتبة خواطر ومراقبة أولى السبلة الإسلامـــــية
    مراقبة نشيطة بالسبلة العُمانية
    الصورة الرمزية تباشيرالأمل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2013
    المشاركات
    58,343
    مرحبا بعودتك عزيزتي
    بنتظار تكملة القصص

    جزيت خيرا



    ‏قد تفقد أشياء جميلھ و تقول لا تُعوض ، وَ قد تتفاجأ بأشياء أجمل تنسيك ما لا يُعوض ، خزائن الله لا تنفذ فكن واثقاً به...


    https://tbashir99.sarahah.com/



  8. #18



    كان يوسف أجمل رجل في عصره..

    وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته

    يضفيان على وجهه مزيدا من الجمال.



    وأوتي صحة الحكم على الأمور.. وأوتي علما بالحياة



    وأحوالها. وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب



    من يستمع إليه.. وأوتي نبلا وعفة،



    جعلاه شخصية إنسانية لا تقاوم. وأدرك سيده أن



    الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه.. اكتشف



    أن يوسف أكثر من رأى في حياته أمانة واستقامة

    وشهامة وكرما.. وجعله سيده مسئولا عن بيته



    وأكرمه وعامله كابنه.



    وهنا نبدأ بالمشهد الأول من الفصل الثاني في حياته:


    في هذا المشهد تبدأ محنة يوسف الثانية،



    وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى.



    جاءته وقد أوتي صحة الحكم وأوتي



    العلم -رحمة من الله- ليواجهها وينجو منها جزاء

    إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه.



    يذكر الله تعالى هذه المحنة في كتابه الكريم:

    وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ



    وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ



    إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا



    لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ



    وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ



    (24) (يوسف)


    والآن، لنتدبر معنا في كلمات هذه الآيات.

    (وَرَاوَدَتْهُ) صراحة



    (عَن نَّفْسِهِ )،



    وأغلقت



    (الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ).







    فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت



    تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة وإباءه..




    فخرجت من التلميح إلى التصريح..



    وأغلقت الأبواب



    ومزقت أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه






    موقف يوسف -عليه السلام- من هذا الإغواء.

    يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا



    (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ



    مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)



    أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة



    من أكرمني بأن نجاني من الجب



    وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن.



    ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله،



    فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه.

    (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)



    اتفق المفسرون حول همها بالمعصية،



    واختلفوا حول همه.






    لكن التلفيق والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات



    من قال: إنها همت به تقصد المعصية



    وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل،



    ومن قال: إنها همت به لتقبله وهم بها ليضربها،



    ومن قال: إن هذا الهم كان بينهما قبل



    الحادث.

    كان حركة نفسية داخل نفس يوسف في السن



    التي اجتاز فيها فترة المراهقة

    ثم صرف الله عنه





    قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة،



    فلما أتيت على قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا).



    قال أبو عبيدة:



    هذا على التقديم والتأخير. بمعنى ولقد همت به..



    ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها.



    يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء..



    كما يستقيم مع روح الآيات التي تلحقه مباشرة



    (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء



    إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)



    وهذه الآية التي تثبت أن يوسف من عباد الله



    المخلصين،



    تقطع في نفس الوقت بنجاته من سلطان



    الشيطان. قال تعالى لإبليس يوم الخلق



    (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)



    وما دام يوسف من عباده المخلصين،



    فقد وضح الأمر بالنسبة إليه.



    لا يعني هذا أن يوسف كان يخلو



    من مشاعر الرجولة،



    ولا يعني هذا أنه كان في نقاء الملائكة



    وعدم احتفالهم بالحس.



    إنما يعني أنه تعرض لإغراء طويل



    قاومه فلم تمل نفسه يوما،



    ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا على برهان ربه،



    عارفا أنه يوسف بن يعقوب النبي،



    ابن إسحق النبي،



    ابن إبراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن.

    يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف



    متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر.



    لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه،



    تدفهعا الشهوة لذلك.

    فأمسكت قميصه من الخلف،



    فتمزق في يدها. وهنا تقع المفاجأة.



    فتح الباب زوجها -العزيز.

    وهنا تتبدى

    المرأة المكتملة،

    فتجد الجواب حاضرا على السؤال



    البديهي الذي يطرح الموقف.



    فتقول متهمة الفتى: قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ



    بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

    واقترحت هذه المراة -العاشقة- سريعا العقاب

    -المأمون- الواجب تنفيذه على يوسف،



    خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه.



    بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن.



    بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف



    بالحقيقة ليدافع عن نفسه: قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي

    تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة



    يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة الباطلة:

    وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ

    فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ

    قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ

    (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ



    إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف)

    لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية،



    أم أن العزيز استدعاه بعد الحادثة ليأخذ برأيه..



    كما أشارت بعض



    الروايات أن هذا الشاهد رجل كبير،



    بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع.



    كل هذا جائز.



    وهو لا يغير من الأمر شيئا.



    ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر



    للقميص، فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر



    مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة



    وهو كاذب.وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو



    إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب،



    فهي كاذبة وهو صادق.

    فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ



    مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ



    (28) (يوسف)

    فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى



    قميص يوسف ممزق من الخلف.



    لكن الدم لم يثر في عروقهولم يصرخ ولم يغضب.



    فرضت عليه قيم الطبقة الراقية التي



    وقع فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف..



    نسب ما فعلته إلى كيد النساء عموما.



    وصرح بأن كيد النساء عموم عظيم.



    وهكذا سيق الأمر كما لو كان ثناء يساق.



    ولا نحسب أنه



    يسوء المرأة أن يقال لها: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).



    فهو دلالة على



    أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد.



    بعدها التفت الزوج إلى يوسف قائلا له:



    (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا)



    أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به.



    هذا هو المهم.. المحافظة على الظواهر.. ثم يوجه

    عظة -مختصرة-

    للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها



    عن نفسها وتمزيق قميصه:



    (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).

    انتهى الحادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته..



    فلم يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها..



    كل ما طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع.



    غير أن هذا الموضوع بالذات.



    وهذا الأمر يصعب تحقيقه في قصر يمتلئ



    بالخدم والخادمات والمستشارين والوصيفات.

    المشهد الثاني:

    بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من القصر إلى قصور



    الطبقة الراقية يومها.. ووجدت فيه نساء هذه الطبقة



    مادة شهية للحديث.



    إن خلو حياة هذه الطبقات من المعنى،



    وانصرافها إلى اللهو،



    يخلعان أهمية قصوى على الفضائح



    التي ترتبط بشخصيات شهيرة.. وزاد حديث المدينة



    (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا



    عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)



    وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن



    بيت إلى بيت.. حتى وصل لامرأة العزيز.

    المشهد الثالث:

    فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ



    وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا



    وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ



    أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا



    إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي



    فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ



    يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ



    (32) (يوسف)

    عندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة

    العليا عنها،

    قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر.



    وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات.



    واختارت ألوان الطعام



    والشراب وأمرت أن توضع السكاكين الحادة

    إلى جوار الطعام المقدم.

    ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها.



    وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة،



    فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا

    (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) بهتن لطلعته،



    ودهشن. (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)



    وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة.



    (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ)



    وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا



    عن الدهشة بصنع الله..



    (مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)



    يتضح من هذه التعبيرات أن شيئا من ديانات التوحيد



    تسربت لأهل ذلك الزمان.

    ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها،



    وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب

    والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة،



    التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها،



    والتي تفتخر عليهن بأن هذا متناول يدها؛



    وإن كان قد استعصم في المرة الأولى فهي ستحاول



    المرة تلو الأخرى إلى أن يلين: انظرن ماذا لقيتن



    منه من البهر والدهش والإعجاب!



    لقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه لكنه استعصم،



    وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه.

    إنها لم ترى بأسا من الجهر



    بنزواتها الأنثوية أما نساء طبقتها.



    فقالتها بكل إصرار وتبجح،



    قالتها مبيّنة أن الإغراء الجديد تحت التهديد.

    واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه..



    كل منهن أرادته لنفسها.. ويدلنا على ذلك أمران.



    الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام



    (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)



    فلم يقل (ما تدعوني إليه).. والأمر الآخر هو سؤال



    الملك لهم فيما بعد (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ)



    أمام هذه الدعوات - سواء كانت بالقول أم بالحركات واللفتات -

    استنجد يوسف بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن،

    خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه.

    دعى يوسف ربه دعاء الإنسان العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته؛

    فيريد مزيدا من عناية الله وحياطته، ويعاونه على ما يعترضه من فتة وكيد وإغراء.


    (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ

    وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)

    واستجاب له الله.. وصرف عنه كيد النسوة.

    وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن، بعد هذه التجربة؛

    أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى ما يحس في نفسه أثرا منه. أو بهما جميعا.


    وهكذا اجتاز يوسف المحنة الثانية بلطف الله ورعايته، فهو الذي سمع الكيد ويسمع الدعاء،

    ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء.

    ربما كان دخوله للسجن بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز ونساء طبقتها،

    فلم يجد أصحاب هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة سوى سجن هذا الفتى

    الذي دلت كل الآيات على برائته، لتنسى القصة.

    قال تعالى في سورة (يوسف):

    ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ



    وهكذا ترسم الآية الموجزة

    جو هذا العصر بأكمله..

    جو الفساد الداخلي في القصور،

    جو الأوساط الأرستقراطية..

    وجو الحكم المطلق.

    إن حلول المشكلات في الحكم المطلق هي السجن..

    وليس هذا بغريب على من يعبد آلهة متعددة. كانوا على عبادة غير الله..

    ولقد رأينا من قبل كيف تضيع حريات الناس حين ينصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره.

    وها نحن أولاء نرى في قصة يوسف شاهدا حيا يصيب حتى الأنبياء.

    صدر قرارا باعتقاله وأدخل السجن. بلا قضية ولا محاكمة، ببساطة ويسر..

    لا يصعب في مجتمع تحكمه آلهة متعددة أن يسجن بريء.

    بل لعل الصعوبة تكمن في محاولة شيء غير ذلك.

    دخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ الأعصاب أقرب إلى الفرح لأنه نجا من إلحاح زوجة العزيز ورفيقاتها،

    وثرثرة وتطفلات الخدم. كان السجن بالنسبة إليه مكانا هادئا يخلو فيه ويفكر في ربه.



    يختصر السياق القرآني ما كان من أمر يوسف في السجن..

    لكن الواضح أن يوسف -عليه السلام- انتهز فرصة وجوده في السجن، ليقوم بالدعوة إلى الله.

    مما جعل السجناء يتوسمون فيه الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك.

    انتهز يوسف -عليه السلام- هذه الفرصة ليحدث الناس

    عن رحمة الخالق وعظمته وحبه لمخلوقاته،

    كان يسأل الناس: أيهما أفضل..

    أن ينهزم العقل ويعبد أربابا متفرقين..

    أم ينتصر العقل ويعبد رب الكون العظيم؟

    وكان يقيم عليهم الحجة بتساؤلاته الهادئة وحواره الذكي وصفاء ذهنه، ونقاء دعوته.

    وفي أحد الأيام، قَدِمَ له سجينان يسألانه تفسير أحلامهما، بعد أن توسما في وجهه الخير.

    إن أول ما قام به يوسف -عليه السلام- هو طمأنتهما أنه سيؤول لهم الرؤى،

    لأن ربه علمه علما خاصا، جزاء على تجرده هو وآباؤه من قبله لعبادته وحده،

    وتخلصه من عبادة الشركاء..

    وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه.

    ثم بدأ بدعوتهما إلى التوحيد، وتبيان ما هم عليه من الظلال.

    قام بكل هذا برفق ولطف ليدخل إلى النفوس بلا مقاومة.

    بعد ذلك فسر لهما الرؤى. بيّن لهما أن أحدها سيصلب، والآخر سينجو،

    وسيعمل في قصر الملك. لكنه لم يحدد من هو صاحب البشرى ومن هو

    صاحب المصير السيئ تلطفا وتحرجا من المواجهة بالشر والسوء.

    وتروي بعض التفاسير أن هؤلاء الرجلين كانا يعملان في القصر، أحدهما طباخا،

    والآخر يسقي الناس، وقد اتهما بمحاولة تسميم الملك.

    أوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر حاله عن الملك.

    لكن الرجل لم ينفذ الوصية. فربما ألهته حياة القصر المزدحمة يوسف وأمره.

    فلبث في السجن بضع سنين. أراد الله بهذا أن يعلم يوسف -عليه السلام- درسا.

    فقد ورد في إحدى الرويات أنه جاءه جبريل

    قال: يا يوسف من نجّاك من إخوتك؟

    قال: الله.

    قال: من أنقذك من الجب؟ قال: الله.

    قال: من حررك بعد أن صرت عبدا؟ قال: الله.

    قال: من عصمك من النساء؟ قال: الله.

    قال: فعلام تطلب النجاة من غيره؟

    وقد يكون هذا الأمر زيادة في كرم الله عليه واصطفاءه له،

    فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد.


    في هذا المشهد تبدأ نقطة التحول..

    التحول من محن الشدة إلى محن الرخاء..

    من محنة العبودية والرق لمحنة السلطة والملك.

    في قصر الحكم.. وفي مجلس الملك: يحكي الملك لحاشيته رؤياه طالبا منهم تفسيرا لها.

    (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ

    يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)

    لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير.

    ربما لأنهم لم يعرفوا تفسيرها، أو أنهم أحسوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك،

    وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج الحاشية -التي تعودت على قول كل ما يسر الملك فقط.

    وعللوا عدم التفسير بأن قالوا للملك أنها أجزاء من أحلام مختلطة ببعضها البعض،

    ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها.


    وصل الخبر إلى الساقي -الذي نجا من السجن..

    تداعت أفكاره وذكره حلم الملك بحلمه الذي رآه في السجن، وذكره السجن بتأويل يوسف لحلمه.

    وأسرع إلى الملك وحدثه عن يوسف.

    قال له: إن يوسف هو الوحيد الذي يستطيع تفسير رؤياك.

    وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف.

    ويبين لنا الحق سبحانه كيف نقل الساقي رؤيا الملك ليوسف بتعبيرات الملك نفسها،

    لأنه هنا بصدد تفسير حلم، وهو يريد أن يكون التفسير مطابقا تماما لما رءاه الملك.

    وكان الساقي يسمي يوسف بالصديق، أي الصادق الكثير الصدق..

    وهذا ما جربه من شأنه من قبل.

    جاء الوقت واحتاج الملك إلى رأي يوسف..

    (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

    سُئِلَ يوسف عن تفسير حلم الملك..

    فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره.

    لم يساوم ولم يتردد ولم يقل شيئا غير تفسير الرؤيا..

    هكذا ببراءة النبي حين يلجأ إليه الناس فيغيثهم..

    وإن كان هؤلاء أنفسهم سجانيه وجلاديه.

    لم يقم يسوف -عليه السلام- بالتفسير المباشر المجرد للرؤيا.

    وإنما قدم مع التفسير النصح وطريقة مواجهة المصاعب التي ستمر بها مصر.

    أفهم يوسف رسول الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود فيها الأرض بالغلات.

    وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع.

    لأن وراءها سبع سنوات مجدبة ستأكل ما يخزنه المصريون،

    وأفضل خزن للغلال أن تترك في سنابلها كي لا تفسد أو يصيبها السوس أو يؤثر عليها الجو.

    بهذا انتهى حلم الملك..

    وزاد يوسف تأويله لحلم الملك بالحديث عن عام لم يحلم به الملك، عام من الرخاء.

    عام يغاث فيه الناس بالزرع والماء، وتنمو كرومهم فيعصرون خمرا،

    وينمو سمسمهم وزيتونهم فيعصرون زيتا.

    كان هذا العام الذي لا يقابله رمز في حلم الملك.

    علما خاصا أوتيه يوسف.

    عاد الساقي إلى الملك. أخبره بما قال يوسف،

    دهش الملك دهشة شديدة. ما هذا السجين..؟

    إنه يتنبأ لهم بما سيقع، ويوجههم لعلاجه..

    دون أن ينتظر أجرا أو جزاء. أو يشترط خروجا أو مكافأة.

    فأصدر الملك أمره بإخراج يوسف من السجن وإحضاره فورا إليه.

    ذهب رسول الملك إلى السجن. ولا نعرف إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة.

    أم أنه شخصية رفيعة مكلفة بهذه الشؤون. ذهب إليه في سجنه.

    رجا منه أن يخرج للقاء الملك.. فهو يطلبه على عجل.

    رفض يوسف أن يخرج من السجن إلا إذا ثبتت براءته.

    لقد رباه ربه وأدبه.

    ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة.

    ويظهر أثر التربية واضحا في الفارق بين الموقفين:

    الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك،

    والموقف الذي يقول فيه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة الاتي قطعن أيدهن،

    الفارق بين الموقفين كبير.



    تجاوز السياق القرآني عما حدث بين الملك ورسوله، وردة فعل الملك.

    ليقف بنا أمام المحاكة.

    وسؤال الملك لنساء الطبقة العليا عما فعلنه مع يوسف.

    يبدوا أن الملك سأل عن القصة ليكون على بينة من الظروف قبل أن يبدأ التحقيق،

    لذلك جاء سؤاله دقيقا للنساء.

    فاعترف النساء بالحقيقة التي يصعب إنكارها (قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).

    وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه،

    ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به..

    تتقدم لتقول كل شيء بصراحة.

    يصور السياق القرآني لنا اعتراف امرأة العزيز، بألفاظ موحية،

    تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر عميقة

    (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)

    شهادة كاملة بإثمها هي، وبراءته ونظافته وصدقه هو.


    شهادة لا يدفع إليها خوف أو خشية أو أي اعتبار آخر..

    يشي السياق القرآني بحافز أعمق من هذا كله.

    حرصها على أن يحترمها الرجل الذي أهان كبرياءها الأنثوية، ولم يعبأ بفتنتها الجسدية.

    ومحاولة يائسة لتصحيح صورتها في ذهنه.

    لا تريده أن يستمر على تعاليه واحتقاره لها كخاطئة.

    تريد أن تصحح فكرته عنها: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ).

    لست بهذا السوء الذي يتصوره فيني.

    ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها

    (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ).

    وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة

    (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

    إن تأمل الآيات يوحي بأن امرأة العزيز قد تحولت إلى دين يوسف.

    تحولت إلى التوحيد. إن سجن يوسف كان نقلة هائلة في حياتها.

    آمنت بربه واعتنقت ديانته.

    ويصدر الأمر الملكي بالإفراج عنه وإحضاره.

    يهمل السياق القرآني بعد ذلك قصة امرأة العزيز تماما،

    يسقطها من المشاهد، فلا نعرف ماذا كان من أمرها بعد شهادتها الجريئة التي أعلنت فيها ضمنا إيمانها بدين يوسف.

    وقد لعبت الأساطير دورها في قصة المرأة..

    قيل: إن زوجها مات وتزوجت من يوسف، فاكتشف أنها عذراء،

    واعترفت له أن زوجها كان شيخا لا يقرب النساء..

    وقيل: إن بصرها ضاع بسبب استمرارها في البكاء على يوسف،

    خرجت من قصرها وتاهت في طرقات المدينة، فلما صار يوسف كبيرا للوزراء،


    ومضى موكبه يوما هتفت به امرأة ضريرة تتكفف الناس:

    سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية،

    وجعل العبيد ملوكا بالطاعة.

    سأل يوسف: صوت من هذا؟ قيل له: امرأة العزيز.

    انحدر حالها بعد عز.

    واستدعاها يوسف وسألها: هل تجدين في نفسك من حبك لي شيئا؟

    قالت: نظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا يا يوسف..

    ناولني نهاية سوطك. فناولها.

    فوضعته على صدرها، فوجد السوط يهتز في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها.

    وقيلت أساطير أخرى، يبدو فيها أثر المخيلة الشعبية وهي تنسج قمة الدراما بانهيار العاشقة إلى الحضيض..

    غير أن السياق القرآني تجاوز تماما نهاية المرأة.

    أغفلها من سياق القصة، بعد أن شهدت ليوسف..

    وهذا يخدم الغرض الديني في القصة، فالقصة أساسا قصة يوسف وليست قصة المرأة..

    وهذا أيضا يخدم الغرض الفني.. لقد ظهرت المرأة ثم اختفت في الوقت المناسب..

    اختفت في قمة مأساتها.. وشاب اختفاءها غموض فني معجز..

    ولربما بقيت في الذاكرة باختفائها هذا زمنا أطول مما كانت تقضيه لو عرفنا بقية قصتها.

    ويبدأ فصل جديد من فصول حياة يوسف عليه السلام:

    بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك.

    عرف أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاره.

    وعندما جلس معه وكلمه، تحقق له صدق ما توسمه فيه.

    فطمئنه على أنه ذو مكانه وفي أمان عنده. فماذا قال يوسف؟

    لم يغرق الملك شكرا، ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين،

    كما يفعل المتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الازمة القادمة.

    كما وأورد القرطبي في تفسيره.

    أن الملك قال فيما قاله: لو جمعت أهل مصر ما أطاقوا هذا الأمر.. ولم يكونوا فيه أمناء.

    كان الملك يقصد الطبقة الحاكمة وما حولها من طبقات..

    إن العثور على الأمانة في الطبقة المترفة شديد الصعوبة.

    اعتراف الملك ليوسف بهذه الحقيقة زاد من عزمه على تولي هذا الامر،

    لأنقاذ مصر وما حولها من البلاد من هذه المجاعة..

    قال يوسف: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة.

    على العكس من ذلك.

    كان يحتمل أمانة إطعام شعوب جائعة لمدة سبع سنوات..

    شعوب يمكن أن تمزق حكامها لو جاعت..

    كان الموضوع في حقيقته تضحية من يوسف.

    لا يثبت السياق القرآني أن الملك وافق..

    فكأنما يقول القرآن الكريم إن الطلب تضمن الموافقة.. زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك..

    يكفي أن يقول ليجاب.. بل ليكون قوله هو الجواب، ومن ثم يحذف رد الملك..

    ويفهمنا شريط الصور المعروضة أن يوسف قد صار في المكان الذي اقترحه.

    وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. صار مسؤولا عن خزائن مصر واقتصادها..

    صار كبيرا للوزراء.. وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف:

    يا يوسف ليس لي من الحكم إلا الكرسي..

    ولا ينبئنا السياق القرآني كيف تصرف يوسف في مصر..

    نعرف أنه حكيم عليم..

    نعرف أنه أمين وصادق..

    لا خوف إذا على اقتصاد مصر
    .





    *****
    ***
    ***

    ترقبوا الفصل الاخير من القصة

    أستودعكم الله أحبتي

  9. #19
    يعطيك العافيه. على. جهدك الملموس
    كل الحسن في عيونه .. في ويه ومحياه

  10. #20




    الفصل الاخير من قصة سيدنا يوسف عليه السلام



    أحداث هذا المشهد الاخير تدمع العين وترقي القلب بأخلاق هذا النبي الكريم :

    دارت عجلة الزمن.. طوى السياق دورتها،

    ومر مرورا سريعا على سنوات الرخاء، وجاءت سنوات المجاعة..

    وهنا يغفل السياق القرآني بعد ذلك ذكر الملك والوزراء في السورة كلها..

    كأن الأمر كله قد صار ليوسف. الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة.

    وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث, وسلط عليه كل الأضواء
    .

    أما فعل الجدب والمجاعة فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف,

    يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر.

    ومن ذلك ندرك اتساع دائرة المجاعة, كما كيف صارت مصر - بتدبير يوسف -

    محط أنظار جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها
    .

    لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها. فاتجه إخوة يوسف - فيمن يتجهون - إلى مصر.

    وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان.

    فدخلوا على عزيز مصر, وهم لا يعلمون أن أخاهم هو العزيز. إنه يعرفهم فهم لم يتغيروا كثيرا.

    أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه العزيز!

    وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاما

    أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته

    وخدمه وحشمه وهيله وهيلمانه
    ?

    ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه.

    فلا بد من دروس يتلقونها: (فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ).

    ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلا طيبا,

    ثم أخذ في إعداد الدرس الأول: ( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ).

    فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه,

    واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل,

    وأن لهم أخا صغيرا من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه.

    فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم: إنه يريد أن يرى أخاهم هذا.

    (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين.

    فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم;

    ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام المعهود:

    (أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ )
    .

    ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر - وبخاصة بعد ذهاب يوسف -

    فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسورا, وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم,

    وأنهم سيحاولون إقناعه, مع توكيد عزمهم - على الرغم من هذه العقبات -

    على إحضاره معهم حين يعودون:

    (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).

    ولفظ (نراود) يصور الجهد الذي يعلمون أنهم باذلوه
    .

    أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا بها القمح والعلف.

    وقد تكون خليطا من نقد ومن غلات صحراوية أخرى من غلات الشجر الصحراوي,

    ومن الجلود وسواها مما كان يستخدم في التبادل في الأسواق. أمر غلمانه بدسها في رحالهم -

    والرحل متاع المسافر - لعلهم يعرفون حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها
    .



    ندع يوسف في مصر . لنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان.

    رجع الأخوة إلى أبيهم..

    وقبل أن ينزلوا أحمال الجمال ويفكوا متاعهم، دخلوا على أبيهم.

    قائلين له بعتاب: إن لم ترسل معنا أخانا الصغير في المرة القادمة فلن يعطينا عزيز مصر الطعام.

    وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب عليه السلام

    (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
    .

    ويبدوا أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب. فهو ذاته وعدهم له في يوسف!

    فإذا هو يجهز بما أثاره الوعد من شجونه
    :

    قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) (يوسف)

    وفتح الأبناء أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال..

    فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يشترون بها..

    مردودة إليهم مع الغلال والطعام.. ورد الثمن يشير إلى عدم الرغبة في البيع، أو هو إنذار بذلك..

    وربما كان إحراجا لهم ليعودوا لسداد الثمن مرة أخرى
    .

    وأسرع الأبناء إلى أبيهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) ..

    لم نكذب عليك..

    لقد رد إلينا الثمن الذي ذهبنا نشتري به.

    هذا معناه أنهم لن يبيعوا لنا إلا إذا ذهب أخونا معنا
    .

    واستمر حوارهم مع الأب..

    أفهموه أن حبه لابنه والتصاقه به يفسدان مصالحهم،

    ويؤثران على اقتصادهم، وهم يريدون أن يتزودوا أكثر،

    وسوف يحفظون أخاهم أشد الحفظ وأعظمه..

    وانتهى الحوار باستسلام الأب لهم..

    بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه،

    إلا إذا خرج الأمر من أيديهم وأحيط بهم..

    نصحهم الأب ألا يدخلوا -وهم أحد عشر رجلا- من باب واحد من أبواب بمصر..

    كي لا يستلفتوا انتباه أحد..

    وربما خشي عليهم أبوهم شيئا كالسرقة أو الحسد..

    لا يقول لنا السياق القرآني ماذا كان الأب يخشى، ولو كان الكشف عن السبب مهما لقيل
    .


    عاد إخوة يوسف الأحد عشر هذه المرة.

    وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69) (يوسف)

    يقفز السياق قفزا إلى مشهد يوسف وهو يحتضن أخاه ويكشف له وحده سر قرابته،

    ولا ريب أن هذا لم يحدث فور دخول الإخوة على يوسف،

    وإلا لانكشفت لهم قرابة يوسف، إنما وقع هذا في خفاء وتلطف، فلم يشعر إخوته،

    غير أن السياق المعجز يقفز إلى أول خاطر ساور يوسف عند دخولهم عليه ورؤيته لأخيه..

    وهكذا يجعله القرآن أول عمل، لأنه أول خاطر، وهذه من دقائق التعبير في هذا الكتاب العظيم
    .


    يطوي السياق كذلك فترة الضيافة،

    وما دار فيها بين يوسف وإخوته، ويعرض مشهد الرحيل الأخير..

    ها هو ذا يوسف يدبر شيئا لإخوته.. يريد أن يحتفظ بأخيه الصغير معه
    .

    يعلم أن احتفاظه بأخيه سيثير أحزان أبيه، وربما حركت الأحزان الجديدة أحزانه القديمة،

    وربما ذكره هذا الحادث بفقد يوسف..

    يعلم يوسف هذا كله.. وها هو ذا يرى أخاه..

    وليس هناك دافع قاهر لاحتفاظه به، لماذا يفعل ما فعل ويحتفظ بأخيه هكذا!؟


    يكشف السياق عن السر في ذلك..

    إن يوسف يتصرف بوحي من الله.. يريد الله تعالى أن يصل بابتلائه ليعقوب إلى الذروة..

    حتى إذا جاوز به منطقة الألم البشري المحتمل وغير المحتمل،

    ورآه صابرا رد عليه ابنيه معا، ورد إليه بصره
    .

    أمر يوسف -عليه السلام- رجاله أن يخفوا كأس الملك الذهبية في متاع أخيه خلسة..

    وكانت الكأس تستخدم كمكيال للغلال..

    وكانت لها قيمتها كمعيار في الوزن إلى جوار قيمتها كذهب خالص.

    أخفى الكأس في متاع أخيه.. وتهيأ إخوة يوسف للرحيل، ومعهم أخوهم..

    ثم أغلقت أبواب العاصمة..

    (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)
    ..!!

    كانت صرخة الجند تعني وقوف القوافل جميعا..

    وانطلق الاتهام فوق رؤوس الجميع كقضاء خفي غامض..

    أقبل الناس، وأقبل معهم إخوة يوسف..( مَّاذَا تَفْقِدُونَ)؟


    هكذا تسائل إخوة يوسف.. قال الجنود:

    (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ).. ضاعت كأسه الذهبية..

    ولمن يجيء بها مكافأة.. سنعطيه حمل بعير من الغلال
    .

    قال إخوة يوسف ببراءة: لم نأت لنفسد في الأرض ونسرق!

    قال الحراس (وكان يوسف قد وجههم لما يقولونه):

    أي جزاء تحبون توقيعه على السارق؟


    قال إخوة يوسف: في شريعتنا نعتبر من سرق عبدا لمن سرقه.

    قال الحارس: سنطبق عليكم قانونكم الخاص..

    لن نطبق عليكم القانون المصري الذي يقضي بسجن السارق
    .

    كانت هذه الإجابة كيدا وتدبيرا من الله تعالى،

    ألهم يوسف أن يحدث بها ضباطه..

    ولولا هذا التدبير الإلهي لامتنع على يوسف أن يأخذ أخاه..

    فقد كان دين الملك أو قانونه لا يقضي باسترقاق من سرق.

    وبدأ التفتيش
    .

    كان هذا الحوار على منظر ومسمع من يوسف،

    فأمر جنوده بالبدء بتفتيش رحال أخوته أولا قبل تفتيش رحل أخيه الصغير.

    كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش
    .

    اطمأن إخوة يوسف إلى براءتهم من السرقة وتنفسوا الصعداء،

    فلم يبقى إلا أخوهم الصغير. وتم استخراج الكأس من رحله. فأمر يوسف بأخذ أخيه عبدا،

    قانونهم الذي طبقه القضاء على الحادث
    .

    أعقب ذلك مشهد عنيف المشاعر..

    إن إحساس الإخوة براحة الإنقاذ والنجاة من التهمة،

    جعلهم يستديرون باللوم على شقيق يوسف

    (قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)

    إنهم يتنصلون من تهمة السرقة..

    ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب
    .

    سمع يوسف بأذنيه اتهامهم له، وأحس بحزن عميق..

    كتم يوسف أحزانه في نفسه ولم يظهر مشاعره..

    قال بينه وبين نفسه(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ).

    لم يكن هذا سبابا لهم، بقدر ما كان تقريرا حكيما لقاعدة من قواعد الأمانة.

    أراد أن يقول بينه وبين نفسه

    : إنكم بهذا القذف شر مكانا عند الله من المقذوف،

    لأنكم تقذفون بريئين بتهمة السرقة..

    والله أعلم بحقيقة ما تقولون
    .

    سقط الصمت بعد تعليق الإخوة الأخير..

    ثم انمحى إحساسهم بالنجاة، وتذكروا يعقوب..

    لقد أخذ عليهم عهدا غليظا، ألا يفرطوا في ابنه.

    وبدءوا استرحام يوسف: يوسف أيها العزيز..

    يوسف أيها الملك.. إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ


    قال يوسف بهدوء:

    كيف تريدون أن نترك من وجدنا كأس الملك عنده..

    ونأخذ بدلا منه أنسانا آخر..؟ هذا ظلم.. ونحن لا نظلم
    .

    كانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف.

    وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء،

    فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج أمام أبيهم حين يرجعون
    .



    عقدوا مجلسا يتشاورون فيه.

    لكن السياق القرآني لا يذكر أقوالهم جميعا. إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه.

    ذكر القرآن قول كبيرهم إذ ذكّرهم بالموثق المأخوذ عليهم،

    كما ذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل.

    ثم يبين قراره الجازم:

    ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه، إلا أن يأذن أبوه، أو يقضي الله له بحكم، فيخض له وينصاع.


    وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه صراحة

    بأن ابنه سرق، فَاُخِذَ بما سرق. ذلك ما علموه شهدوا به.

    أما إن كان بريئا، وكا هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه،

    فهم غير موكلين بالغيب.

    وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها -أي أهل مصر-

    وليسأل القافلة التي كانوا فيها، فهم لم يكونوا وحدهم،

    فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتأخذ الطعام
    .



    فعل الأبناء ما أمرهم به أخوهم الكبير،

    وحكوا ليعقوب -عليه السلام- ما حدث.

    استمع يعقوب إليهم وقال بحزن صابر،

    وعين دامعة

    : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
    .

    (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)

    كلمته ذاتها يوم فقد يوسف..

    لكنه في هذه المرة يضيف إليها الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك
    .

    هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟

    إنه الرجاء في الله، والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته.

    وهو مؤمن بأن الله يعلم حاله، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات.

    ويأتي بكل أمر في وقته المناسب، عندما تتحق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج
    .

    (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)

    وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع.

    يحس أنه منفرد بهمه، وحيد بمصابه، لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه،

    فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب يوسف.

    الذي لم ينسه، ولم تهوّن من مصيبته السنون،

    والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل.

    أسلمه البكاء الطويل إلى فقد بصره..

    أو ما يشبه فقد بصره.

    فصارت أمام عينيه غشاوة بسبب البكاء لا يمكن أن يرى بسببها.

    والكظيم هو الحزين الذي لا يظهر حزنه.

    ولم يكن يعقوب -عليه السلام- يبكي أمام أحد..

    كان بكاؤه شكوى إلى الله لا يعلمها إلا الله
    .

    ثم لاحظ أبناؤه أنه لم يعد يبصر ورجحوا أنه يبكي على يوسف،

    وهاجموه في مشاعره الإنسانية كأب..

    حذروه بأنه سيهلك نفسه
    :

    قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)

    قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86) (يوسف)


    ردهم جواب يعقوب إلى حقيقة بكائه..

    إنه يشكو همه إلى الله..

    ويعلم من الله ما لا يعلمون..

    فليتركوه في بكائه وليصرفوا همهم لشيء أجدى عليهم

    (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)

    إنه يكشف لهم في عمق أحزانه عن أمله في روح الله..

    إنه يشعر بأن يوسف لم يمت كما أنبئوه..

    لم يزل حيا، فليذهب الإخوة بحثا عنه..

    وليكن دليلهم في البحث، هذا الأمل العميق في الله
    .



    تحركت القافلة في طريقها إلى مصر..

    إخوة يوسف في طريقهم إلى العزيز..

    تدهور حالهم الاقتصادي وحالهم النفسي..

    إن فقرهم وحزن أبيهم ومحاصرة المتاعب لهم، قد هدت قواهم تماما..

    ها هم أولاء يدخلون على يوسف..

    معهم بضاعة رديئة..

    جاءوا بثمن لا يتيح لهم شراء شيء ذي بال..

    وعندما دخلوا على يوسف - عليه السلام-

    رجوه أن يتصدق عليهم

    (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ

    وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)

    انتهى الأمر بهم إلى التسول..

    إنهم يسألونه أن يتصدق عليهم..

    ويستميلون قلبه، بتذكيره أن الله يجزي المتصدقين
    .

    عندئذ..

    وسط هوانهم وانحدار حالهم..

    حدثهم يوسف بلغتهم، بغير واسطة ولا مترجم
    :

    قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)

    قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ

    فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)

    قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) (يوسف)




    يكاد الحوار يتحرك بأدق تعبير عن مشاعرهم الداخلية..

    فاجأهم عزيز مصر بسؤالهم عما فعلوه بيوسف..

    كان يتحدث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف..

    وراح الحوار يمضي فيكشف لهم خطيئتهم معه..

    لقد كادوا له وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ


    مرت السنوات، وذهب كيدهم له..

    ونفذ تدبير الله المحكم الذي يقع بأعجب الأسباب..

    كان إلقاؤه في البئر هو بداية صعوده إلى السلطة والحكم..

    وكان إبعادهم له عن أبيه سببا في زيادة حب يعقوب له.

    وها هو ذا يملك رقابهم وحياتهم، وهم يقفون في موقف استجداء عطفه..

    إنهم يختمون حوارهم معه بقولهم

    (قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)

    إن روح الكلمات واعترافهم بالخطأ يشيان بخوف مبهم غامض يجتاح نفوسهم..

    ولعلهم فكروا في انتقامه منهم وارتعدت فرائصهم..

    ولعل يوسف أحس ذلك منهم فطمأنهم بقوله

    (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

    لا مؤاخذة، ولا لوم، انتهى الأمر من نفسي وذابت جذوره..

    لم يقل لهم إنني أسامحكم أو أغفر لكم، إنما دعا الله أن يغفر لهم،

    وهذا يتضمن أنه عفا عنهم وتجاوز عفوه، ومضى بعد ذلك خطوات..

    دعا الله أن يغفر لهم.. وهو نبي ودعوته مستجابة..

    وذلك تسامح نراه آية الآيات في التسامح
    .

    ها هو ذا يوسف ينهي حواره معهم بنقلة مفاجئة لأبيه..

    يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من الحزن عليه.. يعلم أنه لم يعد يبصر..

    لم يدر الحوار حول أبيه لكنه يعلم.. يحس قلبه..

    خلع يوسف قميصه وأعطاه لهم

    (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ).

    وعادت القافلة إلى فلسطين
    .



    ما أنت خرجت القافلة من مصر،

    حتى قال يعقوب -عليه السلام- لمن حوله في فلسطين:

    إني أشم رائحة يوسف، لولا أنكم تقولون في أنفسكم أنني شيخ خرِف لصدقتم ما أقول. فرد عليه من حوله
    ().

    لكن المفاجأة البعيدة تقع.

    وصلت القافلة، وألقى البشير قميض يوسف على وجه يعقوب -عليهما السلام-


    (( فارتدّ بصره )).


    هنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه

    (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
    .

    فاععترف الأخوة بخطئهم، وطلبوا من أباهم الاستغفار لهم، فهو نبي ودعاءه مستجاب.

    إلا أن يعقوب عليه السلام

    (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

    ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئا من بنيه، وأنه لم يصف لهم بعد،

    وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح
    .



    ها هو المشهد الأخير في قصة يوسف:

    بدأت قصته برؤيا.. وها هو ذا الختام، تأويل رؤياه:

    فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99)

    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا

    وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي

    إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) (يوسف)


    تأمل الآن مشاعره ورؤياه تتحقق..

    إنه يدعو ربه (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ

    فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)..



    *******
    *******
    *****
    ***
    **
    *

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •