https://mrkzgulfup.com/uploads/171156484124551.jpeg

قائمة المستخدمين المشار إليهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ماذا تعرف عن الفنانة العمانية - نادرة محمود ؟

  1. #1
    عضو فعال
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    1,035
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    ماذا تعرف عن الفنانة العمانية - نادرة محمود ؟

    الفنانة العمانية نادرة محمود.jpg


    أصدقائي
    اليوم وقعت على موضوع ثري أثناء البحث عن موضوع آخر، سبق والتقيت الفنانة العمانية الرقيقة الأستاذة نادرة محمود وهي فنانة مخضرمة مستقلة الفكر تحمل في ذاكرتها الكثير من الشواهد على بدايات عصر النهضة المباركة، في هذا المقال نجدها تكتب بانسيابية تشف عن إمكانيات أديبة متميزة اختارت التعبير بالفرشاة لا بالقلم .. أترككم تقرأون برفقتي هذا المقال بقلم الفنانة لا بريشتها:


    نادرة بنت محمود
    سيرة حياة


    لو سألني أحد عن الدوافع العميعة التي تجعلني رسامة تجريدية، فسأجيب أنها الأسباب نفسها التي تجعل شاعراً يكتب قصيده تفعلية وآخر قصيدة نثر . أجد في التجريد حرية أوسع وأصعب في الوقت نفسه، ولأني أجد أن التشخيصية تستجيب لمرحلة سابقة ولرؤية قديمة للعالم، والانضباط فيها شكلاني في أحيان كثيرة .
    سأبدا بطفولتي. دائما كان عندي احساسي في تلك الطفولة بأني كنتُ مختلفة عن الاطفال الاخرين وهو ما اكتشفته لاحقاً بالفعل. فقد كنت أعامل بشكل مختلف من المدرسة والبيت، وما زلت مختلفة. ما زالت رسوم طفولتي موجودة وأنا أحتفظ به. اليوم عندما أراها أعجب كيف رسمتها في تلك السن المبكر . لعل في هذه الرسوم دلالة صغيرة أو كبيرة لما سأكون عليه لاحقا. لقد رسمت فيها وجوه ناس ونساء. لم تكن تجريدية طبعا، ولكن مرسومة بشكل منضبط وأكاد أقول ببعض المبالغة «أكاديمي محترف» تقريباً. كنت في المرحله الابتدائية .

    :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

    في وقت مبكر، بل في ذلك الوقت عرفت سعدي يوسف وفاضل العزاوي. عندما جاء العزاوي إلى عمان بعد 20 سة سأل عني أول ما سأل، فهو الذي اكتشفني وكتب عني عندما كان عمري 12 عاماً لا غير. كنت أدرس في العراق بسبب عدم وجود مدرسة في عمان. كتب عني في مجلة ألف باء الأسبوعية التي كان مديرا لتحريرها يوم ذاك. ما زلت أحتفظ بذلك العدد. تكلم عني طبعا فيما بعد غيره مثل نزيه خاطر. أما القاصة سالمة صالح زوجة العزاوي فقد قامت بإجراء لقاء معي في بغداد للمجلة نفسها . كانت أجوبتي على أسئلتها ناضجة وفيها أتكلم عن الحرية والعبودية من حينها. كنت أرسم وجوها، ولو سألني أحد لماذا كنت أرسمها لقلت له إن الوجه هو العالم، هو ملخص للعالم. الغريب أن أفكاري لم تتغير .

    اليوم أتساءل هل كنت ميالة الى الألوان أم الأشكال «الفيكرات»؟ وأجيب بأنني كنت ميالة لكليهما، وهذا ساعدني لاحقاً، لأنه منحني أساساً متيناً . لم يكن هناك في رسومي المبكرة هاجس لوني بالضرورة. لم تكن أيضا نزعة عفوية. كنت أبني بناءً. لم تكن أعمالا تشبه أعمال من كان بسني. الفارق الأول أنني كنت متمكنه جداً من أدواتي. اليوم لا أستطيع أن أرسم بالطريقة نفسها بالطبع، ولا بالبراعة ذاتها. اليوم اختلف الوضع .
    نحن من عائله تهتم بالعلم والقراءة، وقد درسنا في جامعات خارج عمان لاحقاً. كان في عمان مدرسه واحدة هي السعيدية. جاءت لعائلتي فرصة أن ندرس المرحلة الابتدائية في العراق، ثم الجامعية في بيروت. كانت السعيدية تقع وسط مسقط.. لم يكن توجد في عمان قبل سنوات السبعينيات مدارس. كان كل شيء صعباً. كانت عمان مسوّرة بسور. أرسلنا الأهل للتعلم في العراق لأنه البلد الذي كان في وقتها يضمن لنا إمكانية التعلم أكثر من أي مكان آخر . أضف لذلك أن اللهجة قريبة من اللهجة المسقطية . كانت الدراسة مكرّسة للأولاد وللنخبويين فحسب .
    لا بد أن بيئة مسقط وجغرافيتها والطبيعة فيها، تركت اثراً مهماً وذكريات بَصَرِيّة عندي، لأنني بنت عمان، ونحن نعرف أن البلد والمكان يتركان تأثيراً أكيداً على المرء. أتحدث عن تاثير البحر والبيوت خاصة. لم يكن لونا آخر غير الأبيض مسموحا به لبيوت عمان . هذا اللون سيمتد إلى هاجسي المستمر بالنظافة. انا موسوسة بالنظافة. طابع البيت العماني القديم يروق لي. لقد ظل اللون الأبيض في ذاكرتي البصرية، حتى أن عينيّ صارتا تتعبان من الألوان الأخرى، في الغالب لاشعورياً وفي العقل الباطن. البيت بالنسبة لي أبيض، ملابسي أيضاً كلها تقريبا بيضاء .
    في صغري لم أكن في الخقيقة أدقق بالتفاصيل. كنت أنظر نحو الاشياء العامة والكبيرة. التدقيق في التفاصيل يتعبني. أتردد اليوم أحيانا على مرسم للاطفال، وأتعلم منهم لأنهم الأكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم بصدق . هذا الصدق أهم عنصر في كل عمل إبداعي. نحن نفتقد هذا الأمر مع التكرار والزمن .
    لا تسبّب لي استعادة الطفولة الآن أي ذكريات سيئة. فأنا من عائله كبيرة العدد، تتكون من أربعة أولاد، توفي الكبير منهم، ثلاث بنات، أنا الاصغر من بينهم. عائلتي متدينة جداً ومتصوفة. عندما كنا صغاراً كنا نصلي مع بعض في المنزل والويل لمن كان يتخلى عن الفرض الذي كان هو والصيام من الأمور الأساسية في البيت. كنا نتلقى تربية دينية صارمة لم نتفلت منها قليلاً إلا في لبنان فيما بعد. ما زالت الصلاة مهمة لأولادي اليوم .

    بسبب ظروف عمان كانت العائلة تعيش متنقلة بين مسقط والعراق. وكانت تشتغل بالتجارة. عندما أصبت في مرحلة الطفولة المبكرة بمرض في العظام ابتدات علاقتي لأول مرة بالرسم . استلمت ذات مرة هدية هي عبارة عن علبة ألوان ودفتر رسم. لا أعرف من أهداها لي بالضبط لكنه كان أحد أفراد العائلة من دون شك. أتذكر هذه الفتره جيداً كأنها من الأمس القريب. كنت أُعامل معاملة خاصة حتى على مستوى المدرسة . تجربة الألم هي تجربة وجودية كبيرة يعرفها فقط من مر بها بشكل من الأشكال .

    لا تأتي الأشياء في الفن بسهولة. إنها نتيجة التجارب الحقيقة العميقة في الحياة. تجربة الألم القديمة تلك كانت تسبب لي أكبر مشكلة في متابعة الدروس، في العراق أولاً ولاحقاً عوالجت في بيروت . .


    كانت هناك جالية عمانية كبيرة تسكن العراق بشكل مجموعات بقيت تحافظ على تقاليدها العماني. في بغداد لكن لديها بيوت في النجف وكربلاء. عائلتنا قطنت محلة العيواضية في بغداد. هناك أتذكر حديقة بيتنا، كنا نسميها البستان. جل الفواكه والخضروات تأتي من هذا البستان.أتذكر اشجار البرثقال، وشجرة النبق التي كان إخواني يتسلقونها دائماً. كما أني لا أنسى شجرة التوت الاسود التي تمتد عبر الأسوارمن ثالث جار حتى بيتنا. اتذكر جذع هذه الشجرة كأنه شيء خرافي. كانت تسكنها الأفاعي، وكنا أنا وإخوتي وأولاد الجيران نلعب تحتها. ونتندر بقصص الأفاعي والثعابين. اليوم إذا كنت أخاف من أمر فأكثر شي يخيفني هي الافعى. لا أعرف لماذا. ربما بسبب هذه التجربة الطفولية، فإننا نعرف أن اللاوعي مثل البئر، ما يسقط به يبقى في ظلامه الكبير .

    كانت مدرستنا قرب البيت اسمها «المدرسة النموذجية»، وكنت أذهب اليها مشياً على الأقدام مع اثنين من إخواني. كانت مختلطة . يبدا الدوام صباحاً وينتهي الساعة الرابعة عصراً. كانت تجربة الاختلاط شيئا عادياً، وقد تربيت على هذه الشاكلة. كان أهلي ناس متفتحون على العالم، بل حتى المحيطين بنا من الأصدقاء والجيران كانوا من المتنورين. عندما أسمع اليوم بعض الأفكار الظلامية العجيبة عن المرأة والحجاب وما إلى ذلك من السجالات التي لا جدوى ولا فحوى فيها والتي لم أتعود عليها في تربيتي الأولى، أرى أن الوعي الاجتماعي في سبعينيات القرن الماضي كان ضاربا في التنوير والانفتاح. في المناخ الثقافي الحالي أشعر وكأني قادمة من عالم آخر. أشعر بغربه فضيعة كأنني غير قادرة بعد على الانسجام مع أحد، بحيث أنني اليوم لا أزور ولا أزار إلا ضمن خيارات محددة صارمة. دعوتُ مرةً في منزلي مجموعة من الشاعرات والفنانات والمثقفات العمانيات وحاولت أن أقيم صداقات معهنّ، فلم أقدر بسبب هيمنة مناخ منغلق وأفكار مسبقة، ففضّلتُ عزلتي. لا استطيع أن أرى بنات جلدتي مُختطّات بالسواد من أعلاهن وحتى أخماص أقدامهنّ. لقد اختنقت وكانت هيئتي غريبة بينهنّ، ولم انسجم معهنّ في نهاية المطاف. لذا غالبا ما أدعو اصدقاء لي من خارج عمان، كان آخرهم الشاعر سعدي يوسف .

    وفي العودة إلى الطفولة أذكر أننا كنا نقضي في المدرسة أكثر الوقت . أذكر الساحة الكبيرة فيها ودروس الموسيقى ودرس التاريخ . بعض الاحيان يأخذوننا إلى الأماكن التاريخية مثل آثار بابل والمدرسة المستنصرية، العباسية، التي لعلها أقدم جامعة في التاريخ. كانت المدرسة تقع بين الأعظمية وباب المعظم . أتذكر باب النصر قرب الحلة أي باب مدينة بابل العتيق، باب عشتارالذي رأيت نسخته الأصلية في متحف الفن الإسلامي في برلين. بعد سنوات لاحقة رأيتُ مثل هذه الآثار الرافدينية في متحف المتروبوليتان في نيويورك. تجربة بغداد مفصل مهم. مرة زارني صديق وقال لي : لو انك لم تقطني العراق لما أصبحتِ فنانة، وكان كلامه صحيحاً .
    الآن ما الذي يبقى في ذاكرتي من ذلك كله؟. حديقة بيتنا والمدرسة والآثار ثم الإخوة. لم يكن إخوتي يقربوا مني. كانوا يخافون لأني كنت مدللة، خاصةَ لأني كنت الأصغر سناً من بين الجميع في البيت . القيلولة كانت من الطقوس المهمة يومها في الصيف. لكن إخوتي كانوا يتقافزون كالشياطين في عز الظهيرة لأنهم كانوا يرغبون باللعب في الحديقة بدل النوم . كنت ألاحقهم وكانوا يطردونني .
    وصلت الصف الثامن، أي المرحلة المتوسطة كما يُقال في العراق .

    بعد أن كبرت قليلاً بدأتُ أحب القراءة. وعلى الفور شرعتُ باالاطلاع على جون بول سارتر وسيمون دي بوفوار مثلاً، بل كولن ولسن الذي كان مشهوراً أيضاً في تلك الفترة. صرتُ متمردة وأتحدث بكلام أكبر من وعي من هو بمثل سني . الشيء الكثير مما كنت أقرأه لم أكن أفهمه تماماً وبدقة. بعد أن كبرت أكثر من ذلك بدأتُ أفهم بطريقة أفضل. كانت تلك الكتب موجودة في البيت، ولا أعرف لمن كانت تعود. بعد ذلك صرتُ متمردة على كل شيْ رغم أنني كنت منذ البدء امرأة محافظة بمعنى ما وتقلدية في بعض الاشياء. لعل البعض يجد في كوني متمردة وتقليدية في آن واحد مفارقة. منذ وقت جد مبكر لم أكن أحب التبرج وكنت ارتدي ثياباً جد محتشمة. وفي هذا السياق أذكر أن أصدقائي الذين أجالسهم لاحقاً، خاصة من العرب، كثيرا ما كانو يقولون لي بأنهم ينسون أنني امرأة تقليدية، لأن حواراتنا كانت تنطلق من الفكر أولاً ومن فكر لفكر .

    تركت بغداد في بداية سنوات السبعينيات، عام 1972م، ثم زرتها عام 1976 كما أظن، زيارة قصيرة، ولأم أرها من حينها حتى اليوم .

    أمضيت الثانوية والمتوسطة في مسقط.. في تلك الفترة لم أتأثر بأستاذ من أساتذتي لكنني كنت منذ وقت مبكر أحب شغل الراحل شاكر حسن السعيد وأفكاره حول التدين واحترمها. ولاحقا بعض أعمال الفنان السوري الراحل فاتح المدرس وأفكاره كذلك. لوحاتي الأولى فيها كثير من شاكر السعيد. بعدئد إلتقيتُ يهما وانعقدت بيننا علاقه روحية كبيرة. كان المدرس يحب ويقدر شغلي، ودعاني الى سوريه جيث أقمت معرضاً في دمشق عام 1992 إذا لم تخني الذاكرة. كان هذا اول معرض لي خارج عمان بعد الشارقة. وقد استغرب البعض حضور فانة عمانية ترسم لوحات تجريدية. كان الفكرة السائدة أن العمانية منقبة وترسم الجِّمال. في سوريا زرت الفنانين في بيوتهم، مثلا نذير إسماعيل ونزيه اسماعيل ونصير شورة. ما زلت أتذكر سلّم بيت نزيه اسماعيل،
    منذ بعض الوقت سألت صديقة سورية فيما إذا كان نزيه يسكن في المكان نفسه. وهو ما زال لكنه صار يتوقف ليستريح عندما يصعد ذلك السلم . مشهور سلم نذير هذا، فمن يصعده وهو مصاب بمرض في القلب يتعرض لمشاكل جمة لوعورته. أذكر كذلك زوجته المصريه الشلبية من بين ذكريات جميله في سوريا .

    العودة إلى مسقط :
    ثم أنني أنهيتُ المرحلة الثانوية في مسقط بعد بيروت. كنت في مدرسة مسقط الثانوية . لكن روائح الأضرحة والأماكن التي زرتُها أو عشتُها ما زالت في أنفي حتى اللحظة. ويحدث أن تختلط الروائح عندي بالألوان. لكل رائحة لون . أنا استعمل على الدوام ألوان الطبيعة في أعمالي وهذا الأمر معروف عني جيداً. ألوان أجلبها معي من السفر، خاصة من الهند. استعمل أحيانا أخرى لون القهوة للتدرّجات البنيّة. أحيانا الشاي والأعشاب المجففة، وكلها للبُنيّات. كما أني أصنع بنفسي عجينة الورق الذي اشتغل عليه. عندما اسافر أجلبه من تلك الأماكن الآسيوية التي يباع بها الورق: كوريا الصين. تغير نوعية الورق وتلك الألوان ملمس العمل .

    اعتقد بأنني خليط من عدة حضارات وتجارب وملل وعقائد ومذاهب. وهذا ما تكلم عنه ربرتوا تشلي واهتم به . ..

    عندما عدت من العراق إلى مسقط عام 1972م لم تكن المدينة مثلما هي عليه الآن، فقد شهدت تغيرات من حيتها تعيرات معمارية وإنسانية وثقافية .

    في ذلك العام، بداية السبعينيات، كانت توجد مدرسه واحدة فقط للبنات . وكان هناك شارع واحد. كنا نتنقل في سيارات «الجيب» لأن الطرق جبال وعرة . كما كانت توجد في مسقط إذعة واحدة هي عبارة عن غرف قليلة مبنية بالخشب . الشخص نفسه كان يقوم بعدة أدوار ووظائف، فهو ذاته من يقوم بتحرير الاخبار ويقوم بدور المذيع. لم يكن يوجد تلفزيون بطبيعة الحال. عندما تأسس التلفزيون بعد ذلك اشتغلت به بصفتي مذيعة ومهندسة ديكور .

    لكنني أتذكر أكثر ما أتذكر نساء مسقط.. كنَّ يليسن الثياب الملوّنة بألوان حارة بهيجة، المنقوشة بالورود والزهور. كان منظرهنّ زاهياً كأنهنّ فراشات ملوّنة. بل أستطيع القول أنهنّ كنّ يتمتعن بحرية في ارتداء الملابس. كانت ملابسهن العمانة هذه تميزهنّ بشكل لافت. ملابس جميلة أصلا، منها كان يسمى ماكسي ولحاف. واللحاف هو الذي يوضع على الراس. كان القماش من الويل الخفيف. كنا نتبين الشعر من خلال اللحاف، وليس كما هو الحال اليوم .

    كانت أكثر بيوت مسقط مبنية بالطين والحجارة. كانت بسيطة وصلصالية، ولم يكن توجد الكهرباء حتى سنة 1970م. كانت الحياة في غاية الصعوبة جدا وذات إيقاع ممل . كان الأكل غير صحي أيضاً لأنه كان يأتي من خارج البلاد. كان مجمدا ماعدا السمك الذي يأتي من البحر فورا وكان رخيص الثمن وطازجًا، خاصة وأن عائلة مثل عائلتي كانت تسكن أمام البحر مباشرة. في العراق كان بيتنا أمام نهر دجلة أيضاً، وكانت حديقته تُسقى من النهر الواقع خلف المنزل تماماً. اليوم أسكن فوق جبل في مسقط، في منطقة مرتفعة. ليس البحر أمامي اليوم لكنه لا يبعد سوى خمس دقائق في السيارة. في أكثر من مناسبة تحدثت عن السور في مسقط المحفور في ذاكرتي. المغامرة البيروتية :
    ذهابي إلى لبنان يستحق وقفة كذلك. إذ عندما عدت إلى العاصمة العمانية لم يكن يوجد صف ثامن، الأمر الذي دعى عائلتي إلى إرسالي إلى بيروت عن طريق اليونسيف ضمنب رنامج دراسي خاص . كنا بنتين وبضعة شباب .
    سكنا في بيت من بيوت الطالبات، كان هناك مشرف مسئول عنا. كنا لا نحبه . كان ثقيل دم. أينما توجهنا كنا نراه أمامنا كالجني الذي يود كتم أنفاسنا . لطننا لم نكن نعره اهتماما يُذكر. كنا نتحايل بكل الطرق لكي نفلت منه .

    أتذكر الحلاق الشاب يومها الذي سألتُ عنه في زيارتي الأخيرة فقيل لي أنه قد توفي. لكن مكان المحل ما زال قائماً. تغيرت قليلا، لكن ما زالت تتمسك بالأجواء التي عرفتها نفسها . الاماكن الداخلية في بيروت لم تتغير، من الخارج فقط تغيرت المدينة. في زيارتي الأخيرة لبيروت شعرت أن مكان إقامتي القديم هناك إنما هو مثل الأماكن الشعبية عندنا حالياً بعد أن لحقتنا بركب المدنية والحداثة .

    في زيارتي قبل أشهر قلائل ماضية لبيروت عاودت زيارة المكان، . عملياً لم أجد شيئا قد تغير سوى التفاصيل الصغيرة. التغير الكبير حسب مشاهدتي وقع خلف الحمر على جهة الجامعة الامريكية بينما بقيت منطقة الجامعة مثلما هي هي . أتذكر شارع الحمرا ومقهى الهورس شو والستراند وسينما الستراند والمكتبه التي تنزل لها عبر سلم. عندما زرت ذلك كله بعد عشرين عام بمناسبة معرض لي في الهورس شو، كانت الشوارع والارصفة مخربة وصور الخميني والسيد حسن نصر الله تملأ الشوارع. لكن الوضع في زيارتي الأخير كأن أفضل قليلا لجهة حضور القليل من الصور والملصقات على الأقل. لقد قابلت هناك في الفترة بعض الذين اعرفهم وهو أمر سآتي عليه لاحقا .

    في بيروت كانوا يعطوننا برنامجا مكثفا خاصاً للعمانين حصرياُ، وكان يشمل كل أمر يخطر على البال : برامج كشفية ورحلات ودروس في الطبخ وموسيقى ورقص الدبكة وجميع أنواع الترفيه، وكذلك زيارات إلى مدارس الأيتام والمعوقين. كانو يسمون مدارس الأيتام يسموتها الأم البديلة: نأخذ مجموعه من الأولاد ونكون مثل أم لهم . كان منظر الأولاد يثير الألم وكانوا فرحين بزيارتنا لهم. كانوا ينتظروننا بفارغ الصبر كل اسبوع وقد ارتدوا أحسن ملابسهم وكنا نقدّم لهم الهدايا . كانو يسكنون «الجبل» بين أشجار الصنوبر والكرز . كان مشهدا بديعاً حيث رائحة الأعشاب البرية التي كنا نقطفها عند العودة من أطراف الطريق وسط الأحراش. أثناء ذلك كان السائق يضع طوال الرحلة أغاني فيروز ووديع الصافي وصباح ولم يكن الراديو ليصمت لحظة واحدة .

    عند عودتنا أثناء الإجازة إلى مسقط كانت العودة كابوساً حقيقياً. كان الأمر صارماً فقد كان أهلونا يعلنون انتهاء الدراسة وضرورة العوذة من الغد إلى مسقط، لا جدال . كان قانونا صارماً إذ ليس مسموحًا بعد انتهاء الفصل الدراسي أن نبقى في بيروت يوما واحداً .

    طُلب منا في بيروت مرة عام 1975 أن نحضر مناسبة ما. فيها التقيت الشاعر البحريني قاسم حداد وكان قد خرج للتو من السجن، وكان يتحدث عن تجربته في السجن. وكان ضعيف العود. لكنني لا أحب السياسة وكان كل اهتمامي أيام بيروت بالفن والكتب والشعر. في تلك الفتره لم نكن نرتوي من السينما. كانت السينمات في بيروت تتسابق في عرض أحدث الأفلام. كنتُ في فترة المراهقة وكانت أغاني زمان وأيام الديسكوا جميلة بل قد أقول إن كل شيء كان أجمل . كنا في فترة «الزمن الجميل «.

    قضيت سنتين في بيروت، وكان عمري 15 عاماً. عندما انفجرت الحرب هربنا إلى مسقط من جديد. الدراسة في بيروت لم تُحسب لنا على أي حال .

    من مسقط إلى القاهرة :
    بعد بيروت ذهبتُ إلى القاهره مع مجموعة من الطلبة للدراسة في مجال التلفزيون . كنت مع شابتين وبضعة شباب منهما من رجعا متزوجين. أحد المبتعثين صار وزيرا للإعلام وآخر وزيراً التربية. جل الذين كانوا معي صاروا سفراء ووزراء في الحقيقة .

    بقيت في القاهرة. سكنا في مصر الجديدة، ومنها انتقلنا الى الدقي. وكانت هناك دورة دراسية مكثفة خاصة بنا فقط.. من جهتي فضلتُ دراسة الديكور لأنه كان يستجيب لهواجسي من بعيد .
    عند عودتي الى عمان اشغلتُ في التلفزيون بصفتي مذيعة ومصمّمة ديكور ..
    كنت أصمم الديكور أنا بنفسي لعدم وجود غيري. لم يكن الحجاب موجوداً . كان هناك سنة 1975 ثلاثة مذيعات عمانيات بدون غطاء الراس . في غالببية العالم العربي كان الأمر على هذه الشاكلة. لم نكن نعرف «العباءة «.

    مغامرة «رواق عمان» في مسقط :
    بعد العمل في التلفزيون أكملت دراستي في مادة القانون واشتغلت في وزارة الخدمة المدنية العمانية بصفتي باحثة قانونية. أما لماذا درست القانون، فلم يكن الأمر خياراً محضاً، فقد طُرحتْ علينا ثلاثة خيارات اخترت القانون من بينها. وصار عندي بنت وولد. بقيت أعمل في الوزارة حتى تركتها لكي أفتتح لي غاليري للفن التشكيلي في أبهاء أحد الفنادق في مسقط .

    كانت فترة الوظيفة من أصعب المراحل في حياتي، فقد كنت موظفة وعندي اطفال طفلين وكنت أدرس في الوقت نفسه، مع حياة زوجية مضطربة تحملـ فيها وحدي عمليا المسؤولية. كانت أياماً صعبة ا .
    كان أول غاليري في عمان، وحمل اسم «رواق عمان». عرضنا فيه أهم الفنانين العرب مثل فاتح المدرس وشاكرحسن واسماعيل فتاح الترك والمغربية شعيبية . كان مغامرة في البداية. وقد قلت في سري أن لا أحد سيعرف تلك الأسماء، لكنني فوجئت بإقبال زوار الغاليري من نزلاء الفندق حيث كان يقيم ضيوف البلد من جميع الدول من غير العمانيين. كنت أفاجأ بالضيوف المنحدرين من جميع المستويات: شخصيات معروفة سياسياً وفنياً وادبياً. لدي حتى الآن دفتر كانوا يسجلوا فيه انطباعاتهمعن الأعمال المعروضة. كانواميندهشين من أسماء الفنانين العارضين. لم يدر بخلد البعض منهم أن أعرض لشاكر حسن مثلاً. ذات مرة زارتني سيدة كويتية وفوجئت لكثرة الأسماء المرموقة التي عرضتها. كان الغاليري بالنسبة لها كنزا تشكيلياً , لأنها امرأة ثرية وقد اشترت مني مجموعة كبيرة من الأعمال المهمة .

    اليوم أجدني نادمة قليلاً لأني بعت بعض الأعمال خاصة لوحات شاكر حسن السعيد .

    بعد الحرب التي هزت المنطقة عام 1980م حدث قطيعة. كانت فترة الغاليري أهم فترة من فترات حياتي على المستوى الشخصي. فقد التقيت بناس من كل الأجناس، بعضهم كان شغوفا بشغلي التشكيلي، خاصة اليابانيين والألمان. كانت فرصة بعت فيها الكثير من أعمالي التي لا أعرف الآن أين استقر بها المطاف في كل مكان من العالم. كنت أحصل على تقدير رفيع وإعجاب عال من أولئك الزوار المشترين، وكنت بالنسبة لهم أمراً كبيراً وعظيماً
    كانت تجربة مثيرة. كان بعضهم يرسل لي رسائل شكر ويصور لوحتي المعلقة على جدران بيته معتزا بها أشد الاعتزاز. هذا كان كثير يسعدني ويرفع من معنوياتي. من جانب اخر كنت كثيرة الحيرة من بعض، حتى لا أقول الكثير، من الاصدقاء الذين يكرهون نجاح الآخر .
    كان زبائني من السفارات الفرنسية والجالية الالمانية. كانو في الغالب من الأجانب. كل أسبوع كنتُ أغير اللوحات، ففي كل يوم خميس تأتي مجموعة من الفرنسيين والامريكان الموجودين في البلد. صار يوم الخميس بالنسة لهم دزءً من برنامجهم .
    وهذه كانت مسؤولية كبيرة، فكيف نحافظ على حب هؤلاء للغاليري حديث العهد في مدينة مثل مسقط؟. لقد كان هذا الغاليري أروع شيء انبثق في حياتي. كنت أبدا الدوان من العاشرة صباحا ولا انتهي حتى االعاشره مساء. كان يشكل حياتي كلها.وهناك كنت التقي أصدقائي بنماذج من أرقى المثقفين. كل الشخصيات التي تخطر على البال التقيت بها هناك، وكان البعض يستغرب أنني من عمان. قيل لي يومها أنني والغاليري الواجهة الحضارية لعمان .

    مرة زرارني شخص أجنبي في الخمسين من عمره تقريبا مع زوجته، بهندام بسيط ويلبس الجينز. دخل وفورا اهتم باللوحات، وذكر لي بأنه يعرف جيدا الفنانين المعروضين يومها، وهم نوري الراوي ورافع الناصري وعلي طالب وغيرهم من الفنانيين العراقيين. عندما سألته عن اسمه، فوجئت بأنه «كولبنكيان «
    روى لي أن عائلته أنشأوا متحف الفن الحديث في بغداد وهو من قام بإرسال أولئك الفنانين في بعثات خارجية لدراسة الرسم. روى لي الكثير من هذه القصص

    كان يزور الغاليري أيضا بشكل منتظم الشيخ حسن من قطر، وهو من قام بإنشاء أكثر من مجموعة تحولت إلى متاحف في الدوحة. دمث الأخلاق، متواضع . كان يحلو له الجلوس في الغاليري، أو يدعونا في جناح الفندق الذي يقيم فيه . ويشتري في كل مرة أعمالا من الغاليري .

    كان ضياء العزاوي يجيء أيضاً مع الشيخ حسن طيب الذكر .

    للأسف أُغلق هذا الغاليري، عبر إشكاليات لا مجال لها هنا في عهد وزيرة السياحة ورئيسة مجلس ادارة الفندق الذي يحتوي الغاليري، رحمها الله. كان الفندق تابعاً لوزارة السياحة. أرادوا توسعة مكتب مكرس لخدمات الكومبيوتر فأظافوا الغاليري للمكتب. زهكذا بكل بساطة انتهت فترة واحد من أهم الغاليرهات في منطقة الخليج .


    التكرّس للفن التشكيلي

    لكن إغلاق الغاليري دفعني بشكل جذري لأن أكرّس ذاتي للعمل الفني. صرت أرسم بكثرة وأسافر كثيرا. ما زال حلمي بالطبع أن يكون عندي غاليري فقد أحببت هذا العمل الحيوي. وقد تعرفت عن طريقه على الكثير من الفنانين والمثقفين العرب. واكتشفت أن بعضهم لا علاقه له من بعيد ولا من قريب بالمجال الفني وعمقه العميق. آخرون لا يستطيعون التفريق بين التجريد والسوريالية. شاعر مشهور قال لي أنت سوريالية، ناقدة مشهورة ذكرت أن في أعمالي تفجرات لونية في حين أنها في غاية الاقتصاد اللوني .

    كانت علاقة بعض المثقفين العرب بالمرأة مشوبة بالكثير الذي يمكن أن يُنقد. أحدهم كان يحتقرها بصراحة. لم أكن أشعر وسطهم بأنني امرأة بالمعنى التقليدي. كنت بالأحرى صديقة أو أختاً. فلم أكن ذات غواية. كنت قد اتحذت قراري بأن أقف بمسافة من الآخرين ولا أشترك بأيّ من المسرحيات. كان من المقرف أن ترى البعض منهم ثملاً والآخر يقوم بشتيمة صاحبه. كان الرجال يخافون مني لأني كنت صارمة في تلك الأمور. يسمونني أخت الرجال .. .

    بعضهم في الندوة الباريسية لم يكن يعرف أين تقع عمان. ومن الطرائف أنني عندما أخبرت سفير عمان في باريس منير مكي أن بعض هؤلاء الناس لا تعرف عمان، قال بأسلوب بين الجد والهزل، بأننا من دون مشاكل لذا لا يعرفوننا . هناك التقيت بالكثير من النساء مثل نوال السعداوي التي أحترمها كثيراً، وأحلام مستغنامي قبل شهرتها كانت معنا أيضا ميسون صقر القاسمي التي كانت تشتغل وقتها مسؤولة في المجمع الثقافي في أبو ظبي، كما الفلسطنية ليانة بدر. بهذه المناسبة أتذكر فوزية أبو خالد التي كانت صديقتي في بيروت عام 1973.وأتيل عدنان وسيمون صديقتها. كانت المرة الأولى التي ألتقيت بإيتيل مرتين فقط مع الاسف في باريس، لكننا عرضنا كلانا سويا في دول أمريكا . بحوزتي اليوم فيلم قصير عنا. وحسب ما ذكرت لي فإنها المرة الأولى التي كانت تُصوَّر في شريط . قد أنشره قريباً، وفيه نتكلم عن الاشياء المشتركة بيننا كالنظافة، أما سيمون فتشرح في الفيلم، وقد أعجبتني حياتها: ليس من مسؤوليات ولا أولاد وتسافر كثيرا مثل االطيور المهاجرة. شقتها هادئة وجميلة، وهي في غاية الجمال، وقد التقيتها في معهد العالم العربي في ندوة إبداع المرأة عام 1994.
    اليوم استغرب من رؤية النساء المطالبات بالحرية وهنّ يرتدين النقاب او الخمار. أي حرية تكمن خلف ذلك. لا أفهم .

    السفر بوصفه تجربة جمالية :
    بعد الغاليري لم أقم تقريباً إلا بالرسم والسفر. زرتُ الكثير من متاحف الفن في العالم والغاليريهات الكبرى واطلعت عل كثير التجارب الحديثة،وقفت مذهولة، أمام الأعمال الأساسية العظيمة في تاريخ الفن العالمي. تيت غاليري اللندني، المتروبوليتان في نيويورك واللوفر والمتحف البريطاني، متاحف الفن في سويسرا التي زرتها كلها، برشلونة، متحف بيكاسو، النمسا، أامستردام، النروج، السويد ، الدنمارك، فلندا، ثم سان بطرسبرغ وموسكو . استمتعت كثيرا في روسيا حيث رأيت العجب العجاب في متاحفها الوطنية كالمجوهرات التي هي شغل جمالي وحرفي رفيع. كما زرت اليابان وكوريا وماليزيا هوونكونك والصين وبانكوك وسنكافوره وشنغهاي والفلبين .
    من لندن الى نيويوك انتقلت في الباخرة كوين ماري وكان الأمر بديعاً حيث سبعة أيام كاملة وسط المحيط، بعدها ذهبت إلى فانكوفر في كندا ثم سان فرانسسكو ولوس أنجلس وهوليود ولاس فيغاس
    ثم انتقلت إلى أقصى مكان في الاسكا ورأيت كيف يذوب الثلج .

    أول مرة اخذت فيها الباخرة كانت من برشلونة. ثم انطلقت إلى باريس فإيطاليا ثم جزر كابري وروما فاليونان ثم كرواتيا. ومن لندن انطلقت إلى الدول الإسكندنافية كلها لأصل إلى موسكو. أما رحلتي الثالثة فكانت من لندن إلى أمريكا. رحلة أخرى انطلقت بها من تركيا إلى إيران فالهند وباكستان .

    في بعض بلدان جنوب شرق آسيا تلاحظ أن الكثير من الأشياء مقلدة بشكل مفضوح . اليوم عندما أرى عملاً فنياًأعرف إذا كان مقلداً أم لم يكن . صَوَّرتُ جميع البلدان والأماكن التي زرتها. كل الصور الفوتوغرافية في أدراج مكتبتي. وهي ثروة فوتوغرافية ثمينة يمكن أن يخرج منها كتاب ضخم .

    زرت أيضا جميع مسارح العالم وأجملها .

    عند العودة من تلك الرحلات قد يصاب المرء بفقدان التوازن الثقافي جراء ما رآه وما قارنه بما يجد في بلداننا. كنت أتساءل أين نحن من هذا العالم، ومن هذه الانجازات العظيمة في كل ميدان معرفي ومعماري ومديني، خاصة التشكيلي. عندما نتطلع إلى الفنانين في منطقتنا لا نعرف كيف دخلوا منطقة الفن، ففي الوقت الذي تعرف أن البعض منهم لا علاقة له به تسوّق لهم بعض الغاليرهات التي لا تعرف هي بدورها الكثير عن الفن. النتيجة أنهم يصدقوا بأنهم فنانين بالفعل، ثم يقع تصنيفهم في إطار وضعية اجتماعية محددة ليبدأوا باقتراح أسعار مرتفعة لأعمالهم. هنا يضيع الفنان الحقيقي. أعرف من نصحني صغيرةً، قائلاً لاتجالسي أنصاف الموهوبين أو أنصاف الفنانين والمثقفين. استوعبتُ النصيحة وما أزال أتذكرها .

    عبر تربيتي لأولادي، فتحت الباب لهم أن يجربوا الحياة، وحرصنا ان يتعلموا في الخارج ويعيشوا تجربتهم الفردية. ففي نظري يكون الحداثيّ حداثيا في جميع شؤون حياته، وفي تفكيره وعيشه ولباسه وفي بيته، لأن تلك المظاهر المتنوعة مرتبطة بشكل وثيق مع بعضها .

    رأيت المتاحف بوقت متاخر بعد أن تبلورت تجربتي في الفن لحسن الحظ, سوى ذلك أظن بأنني سأضيع وسط هذا العالم الجمالي والأسلوبي الزاخر بالابداع .

    سفراتي ال جنوب شرقي آسيا تمثل عالماً آخر . إن علاقة شعوب هذه المنطقة بالحداثة وما بعد الحداثة واهتمامها العميق بالفن ومتاحفها وكتب الفن والترجمه شيء مهول. إن طوابير البشر على المتاحف والغاليرهات والإقبال على إبداع واقتناء التحف تجعل من الظاهرة الفنية هناك أمراً حياتيا ووجوديا . إنها شعوب تحب الفن بشكل عميق كما لو أن علاقتها متأصلة فيه، فهو يشكل جزء من نسيج حياتهما. إنهم يبرعون كذلك في إنتاج الأعمال اليدوية. إننا نشعر أن طبيعة البشر هناك تقوم على التفتح والانفتاح على الحياة وتقبل الجديد . هذا القبول لكل مستحدث ظاهرة تقع من دون التابوهات التي تكبل طاقة الإنسان الخلاقة. لاحظت في نفس الوقت أن كثيرا من الشباب متمسكون بمعتقداتهم الدينية والروحية ويمارسونها في أماكنها االمنتشرة بوفرة في بلدان شرق آسيا. لعل أدونيس القائل نحن شعوب منقرضة مصيب في كلامه، نحب الرجل أو لا نحبه .

    علاقة بيني وبين العالم النباتيّ ايضاً. عندي في حديقة المنزل حالياً شجرة ليمون زرعها بيدي، وكذلك شجرة تين وشجرة «ببايه « وأشجار ليمون حلو وموز. اهتم بالزهور أقل من اهتمامي بالأشجار .

    الحديقه مهمة للغاية بالنسبة لي. أمضي اكثر وقتي في هذه المساحة الخضراء. حديقة صغيرة يقع مشغلي خلفها، في قمة الجبل حيث أطل على فضاء مفتوح شاسع. لا أستطيع العمل في أماكن مغلقة، يشعرني الأمر بالاختناق. جل عملي في خارج المشغل، لا أرسم داخله سوى عندما يسخن الجو في الصيف فاضطر للدخول فيه .
    لا أعمل على لوحة واحدة بل على سلسلة من اللوحات، وعلى عدة مراحل : مرحلة أولى وثانية وثالثه وهكذا. أرسم وأمحي على عدة طبقات حيث هناك الكثير من الكشط.. ويمكن أن أترك اللوحة لأعود لها لاحقاً. أعرف أن اللوحة قد اكتملت عبر الخبرة، وليس الحدس، التي تكونت عندي بعد كل هذه السنوات من العمل التشكيلي. أنا حرفية ليس بالمعنى الحرفي للكلمة بل بمعنى أنني أعرف ماذا أعمل. في الشغل التشكيلي هناك التكنيك اكثر من شياطين الشعراء . كلما نتقدم بالعمر نفقد هذا الحدس، وطوبى لمن يحافظ عليه. لو أني محوت خطا من هنا أو أضفت خطا هناك فإنني إما أضيف للعمل توازنه او أني أُفْقِده إياه.. إنها مسألة بمنتهى الحرص والدقة. ليس من فوض بل قوانين نلتزم بها ويحاسبنا عليها الناقد القابع في دواخلنا، خاصة وفق الطريقة التي اشتغل بها
    الناقد في داخلك قوي وقاس، وعليه أن يكون قاسياُ فذلك لمصلحة العمل .
    التعديل الأخير تم بواسطة Fashion Princesses ; 15-08-2018 الساعة 11:07 AM

    •   Alt 

       

  2. #2
    مواهب ماشاء الله




    قال تعالى :
    { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ(98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99) } صدق الله العظيم



  3. #3
    عضو فعال
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    1,035
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)
    نعم مواهب مخضرمة ومتميزة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الحقوق محفوظة للسبلة العمانية 2020
  • أستضافة وتصميم الشروق للأستضافة ش.م.م